مصر على أبواب "اتفاق مكة"... ما الذي يؤخر القاهرة ولماذا تستعجل أنقرة؟
لا تزال مصر تدرس إمكان الانضمام إلى "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان خلال قمة ثلاثية عقدت في قصر الصفا بمدينة مكة المكرمة، الجمعة.
وقالت مصادر مصرية لـ"النهار" إن القاهرة "لم تنته بعد من دراسة مشاركتها في التحالف"، وسط مؤشرات إلى مساعٍ تركية لدفع مصر نحو الانضمام إلى الاتفاقية.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أعرب عن توقعه انضمام القاهرة خلال المرحلة المقبلة، بعد "تسوية بعض المسائل الفنية"، واصفاً مصر بأنها "شريك طبيعي" في القضايا الإقليمية.
وتنص الاتفاقية، التي وقعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، على تعزيز الردع المشترك واعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الجميع.
وتهدف أيضاً إلى تطوير التعاون الدفاعي والتنسيق الأمني والعسكري بين الدول الموقعة، فيما شددت التصريحات الرسمية على أنها "ليست موجهة ضد دولة محددة".
الفيديو كامل
لحظة توقيع #اتفاقيه_مكة_للدفاع_المشترك ، خلال قمة ثلاثية عقدت في #مكة ضمت #ولي_العهد ورئيس تركيا ورئيس وزراء باكستان.
وقع سمو الامير #محمد_بن_سلمان واردوغان وشهباز شريف الاتفاقية العسكرية اليوم في المملكة العربية السعودية. pic.twitter.com/B4dBOeQCLk
لماذا تريد أنقرة مصر داخل الاتفاق؟
يرى المحلل السياسي التركي الدكتور بكير أتاجان، في حديث لـ"النهار"، أن "انضمام مصر لا يضيف دولة رابعة إلى الاتفاق فحسب، إنما يضم جغرافيا كاملة وثقلاً عربياً وعمقاً بحرياً وبعداً أفريقياً وقدرة عسكرية وممرات تجارية ووزناً سياسياً يمكن أن يغير طبيعة الاتفاق نفسه".
ويضيف أن وزير الخارجية التركي أوضح أن رؤية أنقرة تقوم على توسيع الاتفاق ليشمل دولاً إقليمية أخرى، وذكر مصر بالإسم.
وتكتسب القاهرة، بحسب أتاجان، أهمية خاصة بسبب موقعها عند تقاطع البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس، بما يجعلها جزءاً أساسياً من منظومة أمن الممرات البحرية والتجارة والطاقة.
ويقول إن "الأمن في الخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن قناة السويس، وقناة السويس لا يمكن فصلها عن التجارة والطاقة العالمية".
كذلك، يشير إلى الثقل العسكري المصري، لافتاً إلى امتلاك القاهرة أحد أكبر الجيوش في المنطقة، وقوات بحرية قادرة على العمل في البحرين المتوسط والأحمر، فضلاً عن خبرتها في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود والممرات البحرية.
ويطرح أتاجان احتمالاً يتجاوز مجرد انضمام مصر إلى الاتفاق، متسائلاً عما إذا كانت القاهرة ستشارك في تأسيس مرحلته الثانية، بما يجعلها إحدى الدول المساهمة في صياغة البنية الأمنية الجديدة للمنطقة.
 
القاهرة "ليست خارج المعادلة"
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لـ"المركز العربي للبحوث والدراسات" في القاهرة الدكتور هاني سليمان لـ"النهار" إن عدم انضمام مصر حتى الآن لا يضعها خارج الترتيبات الإقليمية التي تجمع الدول الأربع، مشيراً إلى عضويتها مع السعودية وتركيا وباكستان في "الرباعية"، وإلى علاقاتها الاستراتيجية مع الدول الثلاث.
ويعتقد سليمان أن انضمام مصر رسمياً إلى الاتفاقية "قد يكون مسألة وقت"، موضحاً أن تحالفاً دفاعياً من هذا النوع يحتاج إلى دراسة على مستويات عدة قبل اتخاذ قرار بالمشاركة فيه.
ولا يستبعد أن يكون بقاء القاهرة خارج الاتفاق في مرحلته الحالية خياراً منسقاً يوفر لها هامشاً أكبر من المرونة، مع استمرار التعاون مع الدول الثلاث في الملفات الأمنية والإقليمية.
حسابات الردع وسياسة "تصفير" الصراعات
لكن حسابات القاهرة قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد استكمال مسائل فنية. فاتفاق دفاع جماعي يقوم على الردع المتبادل يمكن، في ظروف معينة، أن يرتب التزامات عسكرية على أعضائه إذا تعرضت إحدى الدول الموقعة لاعتداء.
ويتقاطع ذلك مع توجه في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة يقوم على احتواء النزاعات الإقليمية، وتوسيع مساحات الوساطة والحلول الديبلوماسية، وتجنب الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية قدر الإمكان.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن القاهرة أظهرت هذا التوجه حتى في ملفات تمس مصالحها الاستراتيجية مباشرة، وفي مقدمها أزمة سد النهضة وحقوقها المائية، إذ استمرت في إدارة النزاع عبر المسارات السياسية والديبلوماسية على رغم وصف الملف مصرياً بأنه "مسألة حياة أو موت".
كما اضطلعت مصر بأدوار في جهود الوساطة الإقليمية، من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ومن هنا، تبدو دراسة القاهرة لـ"اتفاقية مكة" مرتبطة بالسؤال عن حدود الالتزام الذي ستفرضه العضوية، وكيفية التوفيق بين مظلة ردع جماعي تمنح مصر ثقلاً أمنياً إضافياً، وسياسة خارجية تحرص في الوقت نفسه على إبقاء هامش واسع للوساطة وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية.