مصر تعود إلى سوق الساموراي: ماذا تضيف السندات اليابانية للاقتصاد؟
تواصل مصر تنويع أدواتها التمويلية والبحث عن بدائل أقل تكلفة لتلبية احتياجاتها التمويلية، عبر العودة إلى سوق سندات الساموراي اليابانية بعد غياب منذ عام 2023، في خطوة تعكس استمرار استراتيجية تنويع مصادر التمويل وإطالة متوسط آجال استحقاق الدين، بما يعزز مرونة إدارة الدين العام، ويخفض تكلفة الاقتراض، ويدعم ثقة المستثمرين.
وفي ترجمة عملية لهذا التوجه، أطلقت مصر إصداراً جديداً من سندات الساموراي المستدامة بقيمة 500 مليون دولار (80 مليار ين ياباني)، مدعوماً بضمان ائتماني جزئي من البنك الأفريقي للتنمية، وفق وكالة التصنيف الائتماني اليابانية.
ويتكون الإصدار من شريحتين، الأولى بقيمة 350 مليون دولار لأجل خمس سنوات بتصنيف AA+، والثانية بقيمة 150 مليون دولار لأجل عشر سنوات بتصنيف AA، بما يدعم تنويع مصادر التمويل وإطالة آجال استحقاق الدين.
وتستهدف السندات جذب المستثمرين اليابانيين، فيما ستوجه حصيلتها إلى تمويل مشروعات في رأس المال البشري والبنية التحتية المستدامة والعمل المناخي والنمو الشامل، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030.
خطة حكومية أوسع
ولا يمثل هذا الإصدار خطوة منفصلة، بل يأتي ضمن خطة حكومية أوسع لتعزيز حضور مصر في أسواق الدين الدولية وتنويع مصادر التمويل الخارجي، بما يتيح لها الحصول على التمويل بشروط أكثر تنافسية، إذ تستهدف الحكومة إصدار سندات دولية بنحو 4 مليارات دولار خلال العام المالي 2026-2027، لتغطية جانب من احتياجات التمويل الخارجي المقدرة بين 8 و9 مليارات دولار، وفقاً لوزير المالية أحمد كجوك، الذي أكد أنه جرى بالفعل تأمين نحو نصف هذه الاحتياجات من خلال تمويلات ميسرة.
ويعزز هذا التوجه تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، إذ يتزامن الإصدار الجديد مع التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السابعة، بما يمهد للحصول على تمويل جديد بقيمة 1.636 مليار دولار عقب موافقة المجلس التنفيذي، كما سجل الاقتصاد المصري نمواً بنحو 5.1% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري، مع توقعات باستمرار تحسن الأداء واستهداف نمو يتراوح بين 5.2% و5.4% خلال العام المالي المقبل، بحسب وزارة التخطيط.
سجل متواصل من الإصدارات
ويأتي الإصدار الجديد امتداداً لنهج مصر في تنويع أدوات التمويل والتواجد بأسواق الدين الدولية، إذ يعد ثالث طرح لسندات الساموراي بعد إصداري 2022 و2023 بقيمة تقارب 500 مليون دولار لكل منهما.
كما جاء عقب نجاح إصدار سندات اجتماعية دولية بقيمة مليار دولار في أيار (مايو) 2026، وهو أول طرح خارجي بعد الحرب الإيرانية، الذي استقطب طلبات اكتتاب تجاوزت 3.9 مليار دولار، بما يعكس تنامي ثقة المستثمرين في أدوات الدين المصرية.
.jpg)
أهمية الإصدار
وفي تعليق لـ"النهار"، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن عودة مصر إلى سوق الساموراي تضيف زخماً جديداً لإصدارات أدوات الدين بالعملات الأجنبية، وتعكس توجه الدولة نحو تنويع العملات المستخدمة في التمويل، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الدولار، بالتعاون مع الحكومة اليابانية لتمويل مشروعات تنموية.
وتوضح أن الإقبال الياباني على هذه السندات يعود إلى جاذبية عوائدها ورغبة المستثمرين في تنويع استثماراتهم خارج أسواق شرق آسيا، مؤكدة أن هذه الخطوة توسع قاعدة المستثمرين، وتوفر مرونة أكبر في إدارة الالتزامات الخارجية، كما تعزز قدرة الدولة على تنفيذ إصدارات جديدة في الأسواق الدولية مستقبلاً.
فرص ومتطلبات
وبينما يعزز الإصدار خيارات التمويل الخارجي، ترى حنان رمسيس أن تحقيق أقصى استفادة منه يظل مرهوناً بحسن توظيف حصيلته.
وتشير إلى أن سندات الساموراي يمكن أن تسهم في خفض تكلفة الاقتراض وتعزيز ثقة المستثمرين، كما توفر سيولة بالنقد الأجنبي لدعم المشروعات التنموية، مع إمكانية أن تتحول مستقبلاً إلى استثمارات مباشرة في قطاعات التكنولوجيا والصحة والبتروكيماويات، بما يدعم النمو الاقتصادي واستدامة التمويل.
وتحذر، في المقابل، من أن التوسع في أدوات الدين يجب أن يتم وفق ضوابط دقيقة، مؤكدة أن تعظيم الاستفادة من هذه الإصدارات يتطلب توجيه حصيلتها إلى مشروعات إنتاجية تولد عوائد دولارية، بالتوازي مع توطين الصناعات وتعزيز الصادرات، بما يدعم الاستدامة المالية ويحد من الضغوط على الدين الخارجي، كما تشدد على أهمية ضبط مستويات الدين وتحسين كفاءة توظيف الموارد، لضمان تمويل المشروعات دون زيادة الأعباء المالية مستقبلاً.
وتزداد أهمية هذه الاعتبارات في ظل مستهدفات السياسة المالية للعام المالي 2026-2027، إذ بدأت مصر تنفيذ موازنة تستهدف تحقيق إيرادات بقيمة 4.09 تريليون جنيه، مقابل مصروفات تبلغ 5.2 تريليون جنيه، إلى جانب تحقيق فائض أولي يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وخفض العجز الكلي إلى 4.9%، فيما قدرت خدمة الدين بنحو 5.2 تريليون جنيه.