مصر بين الاستقرار المالي والتحدي الإقليمي: ماذا يعني تمويل صندوق النقد الجديد؟
منح المجلس التنفيذي لـ "صندوق النقد الدولي" مصرضوءاً أخضر جديداً، باستكماله المراجعة السابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممددوالمراجعة الثانية لبرنامج تسهيل الصمود والاستدامة، في خطوة تتيح للقاهرة سحب نحو1.8 مليار دولار إضافية بعد استكمال الإجراءات الإدارية اللازمة.
وبحسب بيان الصندوق الصادر الخميس المنصرم، يتوزعهذا المبلغ بين 1.11 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، بما يعادل نحو 1.5 مليار دولار،ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد، و200 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، بما يعادل نحو272 مليون دولار، ضمن برنامج تسهيل الصمود والاستدامة. وبذلك يرتفع إجمالي ماصرفته مصر من البرنامجين منذ إطلاقهما إلى نحو 7.3 مليار دولار.
لكن ما وراء الرقم أهم من الرقم نفسه.فالمراجعة تأتي بعد نحو خمسة أشهر متوترة إقليمياً، إذ أشار الصندوق إلى أنالاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على امتصاص صدمة الصراع الدائر في الشرق الأوسطمقارنة بأزمات سابقة، وهو تقييم يستند إلى تحسن مؤشرات النمو والتضخم واحتياطياتالنقد الأجنبي.
ويعكس هذا التقييم، بحسب محللين اقتصاديينتابعوا الملف، تراكم أدوات دفاعية بنتها القاهرة على مدى السنوات الأخيرة، أبرزهامرونة أكبر في سعر الصرف، وعقود تحوط ضد تقلبات أسعار النفط، واتفاقيات غاز طويلةالأجل. وهي أدوات استخدمها الصندوق دليلاً على قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدماتالخارجية دون الانزلاق إلى أزمة عملة جديدة كما حدث في عامي 2022 و2023.
نمو الاقتصاد المصري
الأرقام التي استند إليها الصندوق تعكس زخماًحقيقياً في النشاط الاقتصادي. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بلغ5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، ليصل معدل النمو التراكمي خلالالأشهر التسعة الأولى من السنة المالية إلى 5.2%، فيما يتوقع الصندوق استقرارالنمو عند 4.6% بنهاية السنة المالية ذاتها.
ويضع هذا المستوى مصر، بحسب تقديرات سابقةللصندوق، في مقدمة الاقتصادات الإقليمية من حيث معدلات النمو المتوقعة، متجاوزةالمتوسط الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الذي تراجع بشكل حاد بفعلالتوترات الجيوسياسية.
في المقابل، لا يزال ملف التضخم يحمل إشاراتمتضاربة يجدر التوقف عندها. فبينما يؤكد الصندوق أن معدل التضخم العام واصل تراجعهحتى آذار/مارس 2026، فإنه يتوقع في الوقت نفسه بقاء وتيرة الارتفاع الشهرية مرتفعةنسبياً عند 1.5%، وهو ما يعني أن ضغوط الأسعار لم تُطفأ بالكامل رغم تراجع المعدلالسنوي.
أما على صعيد احتياطيات النقد الأجنبي، فقدأشار الصندوق إلى ارتفاعها إلى ما يعادل 119% من مستوى الكفاية المطلوب بنهايةحزيران/يونيو الماضي، مدعومة بتدفقات تحويلات المصريين العاملين في الخارج،وإيرادات السياحة، ونمو عائدات قناة السويس. ويُذكر أن صافي الاحتياطيات الأجنبيةلدى البنك المركزي المصري كان قد سجل مستويات قياسية تجاوزت 52 مليار دولار في وقتسابق من العام.
وعلى صعيد المالية العامة، وصف الصندوقالأداء المالي بأنه "ظل قوياً بشكل عام"، معتبراً وثيقة سياسة ملكيةالدولة "خطوة مهمة" في مسار الإصلاح، إلى جانب إجراءات لتبسيط الإجراءاتالجمركية والضريبية بهدف تحسين مناخ الاستثمار.
وكانت الحكومة المصرية قد طرحت في تموز/يوليوالجاري مسودة النسخة الثانية من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026-2030، علىأن يتم إقرار نسختها النهائية في أيلول/سبتمبر المقبل، ما يعني أن إشادة الصندوقتتعلق بمبدأ تحديث الوثيقة، وليس باكتمال تنفيذها.
كما كانت تحليلات سابقة قد لفتت إلى أن وتيرةتنفيذ برنامج طروحات أصول الدولة، وهو أحد أهم بنود الإصلاح الهيكلي المتفق عليهامع الصندوق، ظلت أبطأ من المستهدف في بعض القطاعات غير الاستراتيجية. ويبقى هذاالملف اختباراً رئيسياً قبل المراجعة الثامنة والأخيرة المتوقعة بعد منتصفأيلول/سبتمبر.
ويشار إلى أن الجنيه المصري واصل تسجيلمستويات أضعف أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة، إذ بلغ سعر الصرف نحو 51.15جنيهاً للدولار في 31 تموز/يوليو الماضي، بتراجع نسبته نحو 4.2% خلال شهر واحد، فيظل استمرار سياسة مرونة سعر الصرف التي يعتبرها الصندوق أداة أساسية لامتصاصالصدمات الخارجية.