مشكلة "فيورد" الفائز بـ"سعفة" كانّ 79: ماذا يريد كريستيان مونجيو من العلمانية الغربية؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

شاهدتُ "فيورد"، فيلم كريستيان مونجيو "المُسعَّف" في مهرجان كانّ 79، مرتين، قبل أن أكتب هذه السطور، حتى لا أظلم صاحبه، وهو أحد أبرز مخرجي جيله في السينما الأوروبية الحديثة. عند المشاهدة الأولى شعرتُ بانزعاج، لكنني آثرتُ تأجيل حكمي، واضعاً شكوكي جانباً إلى حين التحقّق منها. أما في المشاهدة الثانية، التي جاءت بعد التتويج، فقد تضاعف ذلك الانزعاج واتّضح مصدره.

خلف حركات الكاميرا المحسوبة بعناية، وخلف ذلك الاستيتيك الذي يوحي بأننا أمام لوحة تشكيلية لفنّان كبير (منذ اللقطة الافتتاحية التي تبدو كأنها بطاقة بريدية) يكمن فخّ إيديولوجي يصعب عدم السقوط فيه. ولهذا تحديداً ينبغي الحذر من الأفلام التي تُطعِّم خطابها بلقطات تأمّلية وإيقاعات متأنّية، فيما تخفي قدراً كبيراً من اللبس.

الفيلم عن زوجين (سيباستيان ستان وريناته رنسفه)، هو روماني وهي نروجية، يعيشان مع أطفالهما الخمسة في قرية نروجية معزولة. العائلة متدينة وتعيش وفق تعاليم صارمة تثير شكوك المحيط، خصوصاً بعد ملاحظة آثار كدمات على أحد الأطفال. تتدخّل مؤسسات رعاية الطفولة، لتبدأ إجراءات بيروقراطية تنتهي بسحب الأطفال من العائلة ووضعهم تحت الرعاية. سيرينا الفيلم طوال ساعتين، مواجهة بين قناعات فردية ترى نفسها بريئة، ومنظومة مؤسساتية تعتبر ما تفعله حماية للقيم العامة.

 

مونجيو يطلق النار على المجتمعات التقدّمية برصاصة وحيدة.

 

لكن الفيلم الذي يطلق فيه مونجيو النار على المجتمعات التقدّمية بالرصاصة الوحيدة التي في جيبه، وهي تُدعى "احترام قيم الجميع"، يبدو مرتبكاً. وهذا الارتباك لا ينبع من تعقيد الموضوع بقدر ما يكشف غموضاً في موقف الفيلم نفسه، وبالتالي في موقف مخرجه. ماذا يعني تكرار المخرج لعبارات مثل "عدم فرض القيم على الآخرين" و"احترام الخصوصيات الثقافية"؟ ولماذا اختار النروج تحديداً مسرحاً لهذا الضرب من تحت الحزام؟ هل أصبحت النروج النموذج الأسوأ في التعامل مع الأقليات وثقافاتها؟ وإذا كان هاجسه الحقيقي هو القمع أو مصادرة الحريات، فلماذا لا يذهب إلى أمكنة أكثر خطورة في هذا المجال، وهي لا تُحصى ولا تُعدّ خصوصاً في الجهة الشرقية للكرة الأرضية؟

ثم مَن المقصود تحديداً بكلامه، عن "محاربة كلّ أشكال التطرف"؟ هل أصبحت بعض الإجراءات الإدارية في دولة أوروبية ــ الأهل يتسلّمان أولادهما في نهاية الفيلم وفق بروتوكول معيّن ــ شكلاً من أشكال "التطرف" الذي يستدعي كلّ هذا التنديد؟ وهل صارت العلمانية الأوروبية، بكلّ تناقضاتها، تهديداً يوازي المسيحانية الإنجيلية أو الأصوليات الدينية؟ والأهم من ذلك كلّه: ما البديل الذي يقترحه مونجيو على المجتمع النروجي؟

أما الكارثة الحقيقية، فتتجلّى في وصفه المجتمع النروجي بأنه "مجتمع تقدّمي يعتقد أنه عثر على الإجابات الصحيحة، ويتوهّم دائماً تفوّقه الأخلاقي". وكأن المجتمعات المتقدّمة مجرد خرافة. وإذا تجاوزنا مسألة الثقافة، فهناك على الأقل منظومات قانونية ومؤسّسات وآليات تطبيق تجعل بعض المجتمعات أكثر عدالةً وكفاءةً من غيرها. فما الذي يدفع ملايين المهاجرين، إذاً، إلى قصد هذه البلدان تحديداً، لا سواها؟
في سعيه إلى مهاجمة ثقافة الـ"ووك"، لا يفعل مونجيو سوى السقوط في أحد أكثر أشكالها ابتذالاً: اختزال العالم في معادلة، يصبح فيها الجميع سواسية، وتُمحَى الفوارق بين الأنظمة والسياقات والتجارب تحت شعار زائف من النسبية المطلقة. فالقول إن "الجميع متشابهون" ليس موقفاً نقدياً بقدر ما هو ذروة الكسل الفكري.

لا يتجاوز الفيلم كونه مسوّدة لأفكار متسرعة يلقيها مونجيو على الشاشة من دون أن يمنحها النضج الكافي. يبدأ العمل من لحظة عبثية وينتهي إلى فراغ، ليبدو أن غايته ليست مساءلة الأفكار بقدر ما هي لفت الانتباه. وفي محاولته التعبير عن رفضه لمنطق الاصطفاف الإيديولوجي، ينتهي مونجيو إلى الوقوع في ما هو أسوأ من الاصطفاف نفسه.

 

فخّ إيديولوحي خلف لقطات تأمّلية وإيقاعات متأنّية.

 

ولا ينبغي إغفال الخلل الواضح بين الشكل والمضمون، وهو واحد من أكبر عيوب الفيلم. فمونجيو، شأنه شأن كثير من السينمائيين المعاصرين، لا يعثر فعلياً على الشكل السينمائي الملائم للفكرة التي يريد طرحها، بخلاف مخرج مثل أندريه زفياغينتسف الذي يعرف كيف يجعل الشكل امتداداً للرؤية. فكلّ هذا البناء البصري الذي يقدّمه، بحركته البطيئة وتأملاته، كان يمكن أن يُستثمَر بالقدر نفسه في دراما رومنطيقية أو حتى في كوميديا خفيفة تدور أحداثها في شمال أوروبا. لا شيء في اللغة السينمائية يوحي بأننا أمام مأزق فكري أو أخلاقي عميق، بل مجرد "مود" بصري معاصر أصبح متداولاً حتى الاستهلاك.

ثم، بصراحة، يصعب اعتبار الفيلم ذا معنى من دون معرفة ما إذا كان الأهل مذنبين أم لا. هذه ليست تفصيلة على الهامش كما يحاول المخرج الإيحاء عبر الضبابية المتعمّدة التي يحيط بها القضية، تحت ذريعة أن "هذا ليس جوهر الفيلم". هذه النقطة تغيّر المعادلة بأكملها: فإذا كان الأهل مخطئين، تصبح الدولة في موقع دفاع مشروع عن الطفل. أمّا إذا كانوا أبرياء، فهذا يعني أننا أمام قضية مختلفة تماماً، ينتج فيلماً آخر عن الخطأ المتعلّق بتغوّل المؤسّسة وحدود تدخلها. تجاهل هذا المُعطى يميّع الفيلم.

خلال العقود الأخيرة، سادت موجة من الأفلام التي تترك للمُشاهد مهمّة التأويل وسدّ الثغر. وهي سينما يبرّر أصحابها هذا الخيار بالرغبة في جعل المتلقّي "شريكاً" في العمل. صحيح أن هذه المدرسة أسهمت أحياناً في رفع شأن بعض السينمائيين، متى جاءت نابعة من تعقيد حقيقي في الرؤية أو من وعي جمالي، لكنها تحوّلت عند كثيرين إلى وصفة جاهزة، بل إلى نوع من الاحتيال الثقافي. إذ كثيراً ما توحي هذه الضبابية بأن المخرج نفسه لا يعرف ماذا يريد أن يقول، فيحمّل المُشاهد مسؤولية إكمال النقص.

في إحدى مقابلاته، يقول مونجيو: "هناك الكثير من العائلات المهاجرة التي وجدت نفسها في صراع مع بلدان الشمال، حيث تكون القوانين صارمة جداً تجاه الآباء العنيفين، ولكن أيضاً تجاه الآباء الذين لا يطبّقون ببساطة جميع قيم هذه المجتمعات، إلى درجة أنهم قرروا انتزاع أطفالهم منهم". تصريح كهذا يلامس، بوعي أو من دونه، الخطاب الشعبوي ذاته الذي غذّى في السنوات الأخيرة نظريات المؤامرة حول "اختطاف أطفال المهاجرين" في الدول الإسكندينافية. فما الخطوة التالية إذاً؟ هل سيصوّر مونجيو فيلماً عن قضية "خطف أطفال العرب" في السويد؟

 

ثاني ”سعفة“ ينالها المخرج الروماني.

 

تزداد الصورة التباساً حين يواصل المخرج تصريحاته التي تبدو، في أفضل الأحوال، ساذجة سياسياً. فهو يقول إنه تساءل عن جدوى إنجاز فيلم جديد حول ضرورة التسامح في بلد محافظ ــ يقصد رومانيا ــ معتبراً أن "الأجدى هو مخاطبة ضمير الناس الذين يعيشون في مجتمع متقدّم ومتعلّم نسبياً، لسؤالهم عمّا إذا كانوا يدركون أن الأفضل هو إقناع معارضيهم بالحجج بدلاً من فرض القيم عليهم". ثم يضيف: "حتى لو كانت قيمك جيدة، فإن فرضها بالقوة لا يؤدّي إلى أي مكان".

المشكلة هنا ليست في الدعوة إلى الحوار في ذاتها، بل في التسوية الأخلاقية المبطّنة التي ينطوي عليها هذا الكلام. فالقوانين التي تحمي الأطفال، أو تفرض حدوداً واضحة على العنف الأسري، ليست "قيماً" عائمة قابلة للتفاوض بالطريقة ذاتها التي نتفاوض بها حول الذوق أو التقاليد أو أنماط العيش. هناك فرق جوهري بين فرض إيديولوجيا، وبين تطبيق منظومة قانونية ترى أن حماية الفرد، وخصوصاً الطفل، تتقدّم على سلطة العائلة أو العرف أو الجماعة.

يبدو مونجيو هنا كأنه يخلط بين النقد المشروع للتعالي الأخلاقي الذي قد تمارسه بعض المجتمعات الغربية، وبين التشكيك في أسس قانونية وحقوقية تشكّل، مهما شابها من تناقضات، أحد أعمدة الحداثة السياسية. ولذلك ينتهي خطابه، من حيث لا يدري ربما، إلى إعادة إنتاج سردية رمادية تساوي بين كلّ شيء، وفي مقدّمها بين القانون والعنف.

يبني مونجيو فيلمه بالكامل على فجوة ثقافية وحضارية. غير أن الإشكال أنه لا يكتفي بتشخيص هذه الفجوة بل ينتهي إلى التموضع داخل أحد طرفيها بصورة غير معلنة. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب الفيلمي من جهة، وتصريحاته خارج العمل من جهة أخرى، اذ يقدّم الفيلم نفسه باعتباره يقف على مسافة واحدة من الجميع، بينما توحي المقابلات بتبنّي أحكام أخلاقية أكثر حدةً تجاه طرف دون آخر. ما يزيد هذا الالتباس تعقيداً هو بنية الفيلم ذاتها، التي تقوم على قدر من التلاعب. فالتمثيل، من حيث توزيع الأدوار بين ممثّلين نجوم وآخرين غير معروفين، تبدو أحياناً وكأنها تُرشد تلقائياً إلى مسار تعاطفي محدّد، بحيث يُدفع المتلقي إلى التماهي مع شخصيات بعينها في مقابل تقديم شخصيات أخرى بوصفها أكثر غموضاً أو قسوة أو تعقيداً.

ولا يتردّد الفيلم كذلك في إدخال حبكة ثانوية تقوم على العلاقة الناشئة بين أطفال عائلتين، إحداهما نروجية والأخرى رومانية، وكأن الأمل يُعلَّق على هذا الجيل القادم باعتباره مساحة خلاص محتملة. غير أن هذا الخيار يثير سؤالاً: هل المشكلة فعلاً بين الأطفال، الذين لا يملكون بعد وعياً كافياً بما يجري حولهم، أم أنها صراعات أعمق تتعلّق بالبنى الاجتماعية والقانونية والثقافية التي تحكم عالم الكبار؟

يتحدّث مونجيو عن "التغيير" في أكثر من مناسبة، من خلال عدسة الأطفال تحديداً. غير أن هذا الطرح يظل ملتبساً: أيّ تغيير يُقصَد هنا؟ وفي أي اتجاه؟ هل هو تغيير نحو مزيد من التقدّمية، أم عودة ضمنية إلى تصوّرات أكثر محافظة؟

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية