"مشروع قانون المحاماة" يحفز النقاش حول الموازنة بين الاستقلالية والمساءلة

قالت مكونات الأغلبية بمجلس النواب إن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة “يشكل محطة مفصلية في مسار تحديث المنظومة القضائية الوطنية، كونه يسعى إلى إرساء قواعد جديدة تتسم بالشفافية والحكامة في تدبير الشأن المهني”، معتبرة أن “النص التشريعي لا يهدف فقط إلى تحسين ظروف ممارسة المهنة، بل يطمح بالأساس إلى حماية حقوق المتقاضين وضمان استقلالية الدفاع في إطار القانون”.

جاء هذا صباح الأربعاء، خلال اجتماع للجنة العدل والتشريع بالغرفة البرلمانية الأولى، خصص لمناقشة مشروع القانون ذاته. وشددت بعض مداخلات الأغلبية على “ضرورة ألا تكون استقلالية أي مهنة بمثابة تسويغ للاشتغال خارج منطق الدولة أو تجاوز المؤسسات الوطنية والدستورية”، مبرزة أن “القوة الاقتراحية للمشروع تكمن في قدرته على خلق توازن بين تمكين المحامي من ممارسة مهامه وبين إخضاعه للضوابط القانونية والمحاسباتية التي تسري على بقية الفاعلين”.

إصلاحات ضرورية

زينة إدحلي، عضو الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، قالت إنه “رغم الدور الحيوي الذي تضطلع به مهنة المحاماة ببلادنا فإنها تواجه جملةً من التحديات الهيكلية والمهنية التي تستوجب معالجة جادة وإصلاحات شاملة”، مفيدة بأن مشروع القانون “جاء ليُعبّر عن إرادة إصلاحية حقيقية تستهدف تعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة في تدبير شؤون الهيئات”.

وأضافت إدحلي، وهي عضو مكتب مجلس النواب، أن النص يتطلع إلى “توفير حماية أكبر لحقوق المحامين والمتقاضين على حدٍ سواء، إذ يندرج هذا المشروع في إطار مساعي التحديث الشامل للمنظومة القضائية المغربية، في توافق كبير مع المبادئ والمعايير الدولية المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان واستقلالية المهن القانونية، ما يعكس التزام المغرب بالانخراط في المنظومة الحقوقية الكونية”.

وتتعزز أهمية ما وصفتها المتحدثة بـ”الخطوة الإصلاحية” من خلال سعيها إلى تحديث المهنة وتعزيز دورها في منظومة العدالة عبر مجموعة من الإجراءات الجديدة، على غرار الشفافية المالية والتعاقدية؛ إذ يفرض المشروع “التكليف المكتوب” كشرط أساسي يحدد هوية الأطراف، وموضوع النزاع، ومراحل التقاضي، والأتعاب مع طرق دفعها، ما يقلص النزاعات بين المحامي والموكل.

وشددت النائبة عينها على أهمية “الفصل بين أموال المحامي وأموال الموكل، مع إنشاء نظام موحد لإدارة الأتعاب والودائع تحت إشراف ‘مجلس هيئات المحامين’ المستقل”، مشيرة كذلك إلى “دعم المحامين الشباب، مع فتح مشروع القانون آفاقاً للممارسة الفردية أو الجماعية عبر عقود شراكة ومساكنة مهنية، ما يتيح تقاسم الموارد والخبرات بين محامين من هيئات مختلفة”.

وأفادت إدحلي بأن النص “يسمح أيضاً بالتعاون مع محامين أجانب تحت ضوابط قانونية، لجعل المهنة أكثر جاذبية وانفتاحاً دون التفريط في استقلاليتها”، فضلاً عن “تعزيز الإطار القانوني من خلال رفع النصاب لإحداث هيئة محاماة إلى 500 محامٍ، وتعزيز الصلاحيات التأديبية، مع حماية حصانة الدفاع، لتوحيد الإجراءات ومواءمتها مع المعايير الدولية”، لافتة إلى “أهمية وجودة التكوين، حيث يكتسب المتمرن صفة الطالب ويقضي بهذه الصفة فترة تكوين أساسي لمدة سنة واحدة بمعهد التكوين”.

التوازن والاستقلالية

أفاد أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بأن “استقلالية المحامي مسألة أساسية في هذا المشروع؛ فالهدف هو تحسين ممارسة المهنة، وهذا التحسين يقتضي أن تكون للمحامي استقلالية تامة أثناء قيامه بمهامه في الدفاع، لأنه يُعد جزءاً رئيساً في تحقيق المحاكمة العادلة”، مبرزاً أنه “لا يمكن أن يكون خارج المنظومة، كما لا يمكن في الوقت نفسه أن يكون فوقها؛ هذا هو التوازن الدقيق الذي يجب أن تقوم عليه منظومة العدالة”.

وأكد التويزي، ضمن كلمته باسم الفريق النيابي لحزب “البام”، أنه “لا ينبغي أن نفهم الاستقلالية على أنها غياب للضوابط أو إمكانية التصرف خارج القانون، كما لا ينبغي تقييد المحامي بشكل يفقده دوره”، مشدداً على أن “المطلوب هو تحقيق توازن: إعطاء المحامي الحقوق والضمانات التي تمكّنه من أداء مهامه بحرية، وفي المقابل إخضاعه للقواعد ذاتها التي تحكم باقي الفاعلين داخل المنظومة”.

وتابع المتحدث ذاته: “يجب دعم المحامي، وتعزيز استقلاليته وقوته، والاهتمام بتكوينه حتى يكون قادراً على أداء دوره على أكمل وجه؛ كما أن العلاقة بينه وبين المحكمة والنيابة العامة ينبغي أن تقوم على القانون، وعلى الاحترام المتبادل والمساواة”، مضيفاً أن “هذه العلاقة لا ينبغي أن تكون علاقة هيمنة أو تبعية، بل علاقة متوازنة قائمة على قواعد واضحة”.

وفي الوقت نفسه ذكر القيادي في “حزب الجرار” أنه “لا يمكن لأي طرف أن يدّعي أنه فوق المساءلة أو خارج نطاق القانون”، معتبراً أن “المؤسسات المنظمة للمهنة، والقوانين المؤطرة لها، هي التي تحدد الضوابط التي يخضع لها المحامون، كما هو الحال بالنسبة للقضاة وباقي المهن”، وزاد: “كل ذلك يدخل في إطار منظومة متكاملة تضمن التوازن داخل العدالة”.

وتطرق النائب نفسه إلى “أهمية شروط الولوج إلى المهنة، وضرورة تعزيز التكوين، لأن المهنة تحتاج إلى كفاءة عالية”، لافتاً إلى تشديد النص على أخلاقيات المهنة، باعتبارها عنصراً أساسياً في ضمان نزاهة العمل المهني، وزاد: “تعزيز استقلالية المحامي لا يهدف فقط إلى حمايته، بل إلى تمكينه من أداء دوره في حماية القانون، والدفاع عن حقوق الأشخاص، وضمان ولوجهم إلى العدالة؛ فالمحامي القوي والمستقل يساهم في تحقيق العدالة بشكل أفضل”.

اقتراحات جديدة

عبد المنعم الفتاحي، النائب عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، قال إن “المشروع يُعتبر بالفعل إطاراً تشريعياً جديداً، جاء بعد مراجعة شاملة وجذرية للقانون الجاري به العمل، الذي بات متجاوزاً ولا يواكب المكانة المتميزة التي تمثلها مهنة المحاماة داخل الصرح القضائي، من حيث ضمان حق الدفاع وتحقيق شروط المحاكمة العادلة بأبعادها المسطرية والإجرائية والقانونية”.

وأضاف الفتاحي، ضمن كلمته باسم الفريق النيابي لحزب الاستقلال، أن “المشروع متكامل، حرص من خلاله المشرع على اعتماد رؤية شمولية لضمان تنظيم محكم لمهنة المحاماة، حتى تكون في مستوى تحقيق نجاعة قضائية مستدامة، والاستجابة لمتطلبات الارتقاء بهذه المهنة وتأهيلها وتطويرها وتحديثها، وتكريس قوتها ومناعتها، والتجاوب مع تطلعات ممارسيها، وتعزيز حصانتها”.

وتطرق المتحدث إلى “إرساء التكوين والتكوين المستمر، لمسايرة التطورات والمستجدات والتحولات التي تعرفها التشريعات الوطنية والدولية في ميدان القضاء والمحاماة والمعاملات المرتبطة بالمهنة، ووضع آليات لتيسير شروط وظروف ممارستها، وسن ضوابط تحدد العلاقة بين المحامي وموكله بهدف تقوية أواصر الثقة بين الطرفين، وتجاوز جميع الإكراهات التي قد تؤثر سلباً على هذه العلاقة”.

ولهذه الغاية شدد النائب ذاته على أن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية يعتزم “تقديم مجموعة من الملاحظات والاقتراحات التي من شأنها المساهمة في ضمان التنفيذ السليم لهذا الإطار القانوني، من بينها التعجيل بفتح معهد تكوين المحامين، لما لذلك من أهمية في ضمان التكوين والتكوين المستمر للطلبة الناجحين في المباراة”.

ودعا الفتاحي إلى “فتح المجال أمام فئة الشباب من المحامين للترشح لمهام النقيب”، وكذا “حماية حقوق المحامي خلال المسطرة التأديبية الجارية في حقه، بتمكينه من الاستفادة من حق التقاضي على درجتين، ومعالجة إشكالية تأخر الدولة في صرف التعويضات المتعلقة بالمساعدة القضائية”، مؤكداً أن الفريق “سيمنح المشروع ما يستحقه من دراسة عميقة ومناقشة مثمرة، في إطار حوار بناء ومسؤول، بهدف الخروج بإطار قانوني في مستوى الإصلاح الذي تنشده منظومة العدالة بمختلف أبعادها”.

The post "مشروع قانون المحاماة" يحفز النقاش حول الموازنة بين الاستقلالية والمساءلة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress