مسار يتكرّر: كم مرة تأجّلت الامتحانات الرسمية في لبنان ولماذا؟
في امتحانات رسمية أم لا؟ سؤال يكاد يتكرر كل عام دراسي. ففي لبنان، كم مرة تأجلت الامتحانات الرسمية؟ ولماذا؟ إنه مسار يتكرر بشكل متقطع؛ إذ لم تعد مسألة تأجيل الامتحانات الرسمية في لبنان حالة استثنائية، بل باتت واقعاً يستنسخ نفسه كل بضع سنوات، ولأسباب مختلفة.
وإن لم يكن الرقم ثابتاً لعدد المرات التي تأجلت فيها الامتحانات، فإنه أمكن رصد الحالات، ما قبل 1990 وبعدها، فيما تنوعت أسباب التأجيل بين الأمني – السياسي، والاجتماعي - المعيشي، مروراً بالظرف الصحي الذي فرضته جائحة "كورونا".
بعد 1990
في الآتي، خط زمني يحدد أهم الفترات التي تأجلت فيها الامتحانات، ما بعد 1990:
- 2011: تأجيل بعض امتحانات التعليم المهني بسبب إضراب السائقين.
- 11 حزيران 2014: تأجلت الامتحانات الرسمية يوماً واحداً بعد سجال واسع بين وزارة التربية و"هيئة التنسيق النقابية"، على خلفية المناداة بمطالب اجتماعية ومعيشية. وبعد مفاوضات شاقة، استمرت حتى ساعات الفجر، اعلن وزير التربية يومها الياس بو صعب، تأجيل الامتحانات ليوم واحد فقط، بعدما وعد الاساتذة بمراقبة الامتحانات.
- 2020: تأجيل واسع للامتحانات الرسمية بسبب تفشي جائحة "كورونا".
- 2021: إلغاء امتحانات "البريفيه" بعد فترة من التعليم عن بعد. كذلك، ألغيت في أعوام 2023، 2024 و2025.
في فترة الحرب
أما قبل 1990، فكانت تلك الأعوام مليئة بتأجيلات متكررة وبشكل مستمر، بسبب ما فرضته الحرب الأهلية حينها. وفي الخط الزمني، يتبيّن الآتي:
- 1975: أجريت الامتحانات لكافة الشهادات، إنما اعتمدت إفادة الترشيح كسبيل للنجاح، ما عدا شهادة البكالوريا القسم الثاني وتم إنجاح الطلاب عبر علامات الاستلحاق.
- 1976: إلغاء الامتحانات وعدم قبول طلبات الترشيح.
- 1977: إجراء امتحانات البكالوريا القسم الثاني فقط، واعتمدت الإفادات المدرسية للشهادات الأخرى.
- 1978: اعتمدت فيها افادة الترشيح.
- 1979: اجريت الإمتحانات ولم تعط النتائج واعتمدت افادة الترشيح للبكالوريا القسم الأول، كما أجريت امتحانات لمرشحي السنة السابقة.
- 1982: الغيت الشهادة المتوسطة واعتمدت افادة ترشيح للشهادات الاخرى.
- 1984: اعتماد الإفادة المدرسية.
- 1985: الغاء كل الإمتحانات واعتماد وثيقة الترشيح.
- 1986: إلغاء الامتحانات المتوسطة.
- 1987: إلغاء كل الشهادات واعتماد وثيقة الترشيح للمرحلة المتوسطة، وإفادة مدرسية للبكالوريا.
- 1989: إلغاء الامتحانات واعتماد إفادة نجاح من الوزارة.
- 1990: إلغاء الشهادة المتوسطة والبكالوريا القسم الأول وإجراء امتحان شهادة البكالوريا القسم الثاني.
مناهج تربوية جديدة؟
لا يمكن أن يمرّ تأجيل الامتحانات في لبنان من دون انعكاسات أو تداعيات، وعلى أكثر من مستوى. صحيح أن قدرة الطالب لا تقاس فقط بمستوى أو بتقويم خلال امتحانات رسمية، إلا أن الإلغاء أو التأجيل المتكرر، وبلا أي خطة واضحة، قد تكون له انعكاسات عدة.
أولاً، على المستوى النفسي، لا يمكن أن يترك الطالب، إلى آخر دقيقة، كما يجري دوماً، من دون معرفة ما إذا كان سيخضع لامتحان رسمي أم لا. هذا الأمر يسبّب له ضغطاً نفسياً يضاعف من أثر الأزمات العامة التي تكون قد مرت بها البلاد، إن كانت أمنية نتيجة حال حرب، أو صحية.
فغالباً ما يعيش الطلاب حالة قلق وعدم استقرار، نتيجة الغموض حول مصيرهم الأكاديمي. ولا شك، أن التأجيل المستمر يرهقهم نفسياً ويؤثّر على تركيزهم، تماماً كما أنه يضع الأهل تحت ضغط إضافي في ظل ظروف عامة، أكثر من صعبة.
تربوياً، قد يؤدي التأجيل إلى ضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، وخصوصاً بين التعليم الرسمي والخاص، ويؤثر على قيمة الشهادات الرسمية بمختلف مستوياتها، ويزيد الشرخ في التقويم الحقيقي للطلاب.
وفي الشق الأكاديمي، تتأثر الجامعات بشكل مباشر بهذا "الترّنح" بين التأجيل والإلغاء ، إذ قد يتأخر تسجيل الطلاب الجدد، وتضطر بعض الجامعات إلى اعتماد شروط استثنائية أو امتحانات دخول بديلة. هذا من دون أن ننسى الطلاب الذين يقررون السفر للالتحاق بجامعات الخارج، وفق برنامج محدد سلفاً، بالتواقيت وامتحانات الدخول. الأمر الذي يسبّب فوضى في الانتقال من مرحلة التعليم الثانوي إلى الجامعي.
أما الأهم من ذلك كله، فإن أمر الإلغاء أو التأجيل نادراً ما يكون مرتبطاً برؤية محددة إلى نظرة التعليم الثانوني والجامعي ككل. فمن جهة يفقد الامتحان الوطني الموحد قيمته، ومن جهة أخرى، تغيب أي رؤية شاملة لنظام تعليمي متكامل.
وبعد كل هذه التجارب اللبنانية، بات من شبه المؤكد والمطلوب، ضرورة الانتقال إلى تغيير في المناهج والرؤية التعليمية، وتكون فيها مسألة الامتحانات حلقة أساسية من ضمنها، لا أن تعالج "على القطعة"، وكل عام.
فهل ستكون المناهج التربوية الجديدة نقطة البداية نحو الحل...؟!