مرّتان إلى القبر: "موتى نازحون" في مراسم دفن الوديعة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

"عندما تُوفي زوجي، كان لدينا خياران كلاهما مرّ. الأول دفنه كوديعة بعيداً عن الجنوب، أما الثاني فهو التنسيق مع مخابرات الجيش للاستحصال على إذن من لجنة الميكانيزم لدفنه في جبانة البلدة. فاخترنا الخيار الثاني، وعند انتهاء الدفن طُلب منا المغادرة فوراً، إذ لم يكن الجلوس إلى جانب القبر ولو لدقائق متاحاً"، هكذا تروي الخمسينية وفاء عواض تجربة دفن شريك عمرها الذي تُوفي خلال الحرب.

حال عائلة عواض تشبه حال مئات آلاف العائلات الجنوبية النازحة التي اضطرّت إلى تغيير كل عاداتها الاجتماعية بسبب التهجير القسري المفروض عليها، وذلك في أفراحها كما في أحزانها. فغالبية موتى تلك العائلات دُفنوا مؤقتاً لحين العودة إلى البلدة، ودُفنوا كوديعة، خصوصاً إن كانوا من قرى جنوبي نهر الليطاني (باستثناء صور وبعض القرى في محيطها)، حيث لا تعطي إسرائيل الموافقة عبر الميكانيزم لأي جنازة للعبور إلى البلدة.

 

دفن الوديعة: تجديد للآلام


يمكن تعريف دفن الوديعة بأنه دفن مؤقت للجثمان داخل صندوق خشبي مغلق (أي إن الجسد المكفّن لا يلامس التربة)، في أي مكان، لحين التمكن من نقل الجثمان، في الصندوق نفسه، إلى مسقط رأسه الأساسي. وقد بدأ الاعتماد على هذه الطريقة خلال الحرب الأخيرة التي اتسعت في أواخر أيلول/سبتمبر 2024، واعتمدت في الفترة الأولى بشكل خاص للموتى الذين أوصوا بأن يُدفنوا في بلداتهم التي أصبح الوصول إليها مستحيلاً، ولا سيما البلدات الواقعة على الحافة الأمامية للحدود اللبنانية الجنوبية.

عائلات عدة عايشت هذه التجربة في الحربين. إبراهيم خير الدين، الذي خسر شقيقيه، الأول في الحرب الماضية والثاني في بداية هذه الحرب، يقول لـ"النهار": "هذا الدفن هو ترك لأمانة لحين التمكن من وضعها في مسكنها النهائي". وبحسب خير الدين، فإن "نقل الجثمان والدفن من جديد هو تجديد للآلام ودفن مرتين، وقد عايشنا ذلك، لكن لا بد من الدفن بشكل نهائي في القرية".

 

أين يحصل دفن الودائع؟


غالبية "الودائع" دُفنت في منطقة الأجنحة الخمسة في الشويفات وفي بلدة حارة صيدا، حيث خُصّصت في كلتا المنطقتين قطعة أرض لهذا الغرض، ويُسجَّل فيهما بشكل شبه يومي أكثر من دفن منذ أكثر من شهر. في جولة لـ"النهار" على مدافن الشويفات، تحدثت ليلى كساب، التي كانت تزور أحد القبور يومياً، فقالت "أنا نازحة في أحد مراكز الإيواء في بيروت، وأفضّل تمضية وقتي هنا كل يوم على الجلوس في الصفّ داخل المدرسة".

ولا تخلو هذه الجبانات المؤقتة من وفود يومية تزور القبور وتمكث عندها لساعات. وبحسب معلومات "النهار"، فإن بدء نقل هذه الودائع سيبدأ نهاية الأسبوع المقبل، إذا استمرّ سريان وقف إطلاق النار وفُتحت الطرق المؤدّية إلى القرى.


أذونات الميكانيزم… حلّ؟


حصلت في بعض القرى التي لا تدور فيها اشتباكات وليس فيها وجود إسرائيلي حالات دفن عدة، خصوصاً في القرى المحيطة بمدينة صور وفي منطقة الزهراني، لكن بالتنسيق المسبق مع لجنة الميكانيزم التي تنتظر موافقة إسرائيل. وهذه الموافقة، بحسب مصدر أمني، تتأخر في كثير من الأحيان، ويُلغى الإذن أحياناً من دون توضيح الأسباب. ولا يقتصر ذلك على حالات الجنازات، بل يشمل أيضاً الأذونات التي تنتظرها فرق الإسعاف والدفاع المدني قبل التحرك إلى موقع أي غارة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية