مرضى السرطان في سوريا بين فكّي الفقر والموت... عبء العلاج يبدأ من الطريق

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 

دمشق - مروة البرغش

 

 

في ممرات المستشفيات الحكومية السورية، لا ينتظر مرضى السرطان دورهم في العلاج فقط، بل ينتظر كثيرون فرصة للبقاء. بين نقص الأدوية، وتعطّل الأجهزة، وارتفاع تكاليف العلاج، تتحول رحلة المرض إلى مواجهة يومية مع الفقر والانهيار الصحي، فيما تدفع آلاف العائلات أثماناً تفوق قدرتها على الاحتمال.

 

هذا التحقيق يفتح واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في سوريا اليوم: ملف مرضى السرطان، الذين تحوّلت رحلة علاجهم إلى سباق يوميّ مع الوقت ونقص الدواء وقوائم الانتظار الطويلة، في واقع باتت فيه الجرعة العلاجية أقرب إلى حلم مكلف، وقد يصبح تأخيرها حكماً مؤجلاً بالموت.

 

في الممرات الضيقة للمشافي الحكومية، تتكرر القصص ذاتها: عائلات باعت ممتلكاتها لتأمين العلاج، مرضى أوقفوا جرعاتهم بسبب العجز المادي، وآخرون ينتظرون أسابيع للحصول على جلسة علاج إشعاعي بينما يواصل المرض انتشاره بصمت.

 

مستشفى البيروني… ضغط يفوق القدرة

رغم أن العلاج في المشافي الحكومية يوصف بأنه "مجاني"، فإن الواقع يكشف فجوة واسعة بين ما يحتاجه المرضى فعلياً وما هو متوافر داخل المستشفيات.

 

الأدوية الموجهة والعلاجات المناعية الحديثة تكاد تكون غائبة بالكامل عن معظم المراكز الحكومية بسبب ارتفاع تكلفتها وصعوبة استيرادها، ما يدفع كثيراً من المرضى إلى اللجوء للسوق السوداء أو تأجيل العلاج.

داخل مستشفى البيروني الجامعي تسمع حكايات المرضى القادمين من مختلف المحافظات بأصواتهم  المتعبة. حكايات طويلة من الوهن والخوف والبحث عن علاج شافٍ. 

 

مستشفى البيروني الجامعي (مروة البرغش- النهار)

 مريض بالسرطان يتلقى العلاج في مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار).

 


أحد المرضى، وهو رجل سبعيني قدم من حلب، جلس على سريره وتتدلى من أطرافه أنابيب السيرومات، بينما كان يبكي وهو يروي لـ"النهار" رحلته مع المرض.

 

يقول الرجل البالغ من العمر 76 عاماً إن علاجه بدأ في حلب، لكنه فقد ثقته بالنظام الصحي بعد سلسلة طويلة من العمليات والمضاعفات. "قالوا لي عندي كتلة ولازم عملية كَيّ، وكلفتها ثمانية ملايين ليرة. وافقت وعملت العملية، لكن النزيف ما توقف أبداً. كل يوم كنت أرجع للطبيب ويقول لي: اشرب ماء فقط».

 

ويضيف: «رجعت مرة ثانية، وقلت لهم إن النزيف مستمر، فقالوا إنني بحاجة لعملية جديدة. أهل الخير جمعوا المبلغ لأنني لا أملك شيئاً».

 

بعدها توجه المريض إلى مشفى ابن رشد في حلب، قبل أن يطلب منه الأطباء التوجه إلى دمشق لمتابعة العلاج الكيميائي. ويقول: "قالوا لي لازم تروح على دمشق للعلاج الكيميائي. ما معي أجرة العلاج ولا الطريق، لكن لم يكن لديّ خيار آخر. اليوم تحسن وضعي بعد العملية، لكن بعد أيام يجب أن أعود للجرعات من جديد".

 

ويتابع الرجل السبعيني: "أنا عمري 76 سنة، ومستعد أذهب إلى أي مكان حتى لو كان الصين أو الهند حتى أتعالج".

 

رجل مريض بالسرطان يتلقى العلاج في مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار)

 

"حتى ملابسنا لم نغيّرها"

يُعدّ مستشفى البيروني الوجهة الرئيسية لمعظم مرضى السرطان في سوريا، ما خلق ضغطاً بشرياً وتقنياً يفوق قدرة المشفى على الاستيعاب.
مرضى من محافظات بعيدة مثل دير الزور والحسكة وحلب وحماة يصلون ليلاً لحجز دورهم قبل ساعات الفجر الأولى، بينما تمتد طوابير الانتظار داخل الصالات المزدحمة لساعات طويلة.

 

كذلك تعاني أجهزة العلاج الإشعاعي من ضغط تشغيل مستمر يؤدي إلى أعطال متكررة وفترات صيانة طويلة تؤخر الجلسات العلاجية لأسابيع.
ولا تتوقف الأزمة عند نقص الأدوية، بل تمتدّ إلى المستلزمات الطبية الأساسية، إذ يُطلب من كثير من المرضى شراء حقن السيروم والقثاطر الوريدية والقطن والمعقّمات من خارج المشفى بسبب النقص الحاد.

 

زوجة المريض السبعيني تحدثت لـ"النهار" عن الظروف القاسية التي ترافق رحلة العلاج في دمشق. تقول: "أُجبرنا على أن نأتي إلى هنا من أجل العلاج الكيميائي، لكن ليس لدينا أحد يساعدنا. منذ وصولنا لم نستحمّ، ولم نغيّر حتى ملابسنا، والمريض تعب كثيراً".

 

وتضيف أن العلاج داخل المشفى مجاني نظرياً، لكن الأدوية غير متوافرة بأغلبها، ما يجبر المرضى على شرائها من الخارج. "حتى الآن دفعنا نحو 600 دولار ثمن أدوية. اشتريناها من السوق السوداء بصعوبة كبيرة، ودمشق غالية جداً مقارنة بحلب".

 

وتختم حديثها قائلة: "نحن فقراء وما بحالنا شيء... السفر والتكاليف خنقتنا".

 

زوجة مريض تتكلم إلى النهار في مستشفى البيروني

 

السرطان كارثة اقتصادية

في سوريا، لا يقتل السرطان المرضى وحدهم، بل يهدّد أيضاً قدرة عائلاتهم على الاستمرار.

 

ورغم التحسّن النسبيّ في بعض المؤشرات المعيشية خلال الفترة الأخيرة، لا تزال تكاليف العلاج تفوق قدرة معظم العائلات السورية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الأدوية والتحاليل والتنقل بين المحافظات.


مع غياب الأدوية من المشافي، يجد المرضى أنفسهم مجبرين على اللجوء إلى الصيدليات الخارجية والسوق السوداء، حيث تُباع الأدوية المهربة بأسعار خيالية تُحدد بالدولار الأميركي.

 

• يتراوح سعر الجرعة الكيماوية الواحدة بين 100 و1500 دولار بحسب نوع الورم والعلاج المطلوب.

• بعض العلاجات الموجهة قد تصل تكلفتها إلى آلاف الدولارات شهرياً.

• يواجه المرضى خطراً إضافياً يتمثل بالأدوية المغشوشة أو الفاسدة نتيجة سوء التخزين والنقل عبر طرق التهريب.

 

ويقول أحد الصيادلة العاملين في دمشق، طالباً عدم الكشف عن اسمه:
«بعض المرضى يشترون أيّ دواء متوفر خوفاً من ضياع موعد الجرعة، حتى لو لم يكونوا متأكدين من مصدره».

 

داخل مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار)

 

عبء نفسي واجتماعي مضاعف

لا تنتهي معاناة مريض السرطان عند الألم الجسدي، بل تمتد إلى ضغوط نفسية هائلة يعيشها يومياً وسط غياب شبه كامل للدعم المتخصص.
يعيش كثير من المرضى في حالة خوف دائم، ليس فقط من الموت، بل من انقطاع الدواء أو تأجيل الجرعات، فيما يتحول هذا القلق المزمن لدى البعض إلى اكتئاب حاد أو عزلة اجتماعية.

 

وتقول الدكتورة فاطمة الجوجو (اختصاصية في طب الأورام ورئيسة قسم الإحصاء والسجل الوطني للسرطان ضمن مستشفى البيروني الجامعي) لـ"النهار" "إن الضغوط النفسية، والحزن المزمن، قد يضعفان مناعة الإنسان بشكل عام، رغم عدم وجود دراسات حاسمة تثبت العلاقة المباشرة بين الحزن والسرطان".

 

وتضيف: "الإنسان المتوتر والمضغوط يكون أكثر عرضة للأمراض بشكل عام، ومن ضمنها السرطان".

 

الدكتورة فاطمة الجوجو تتكلم إلى النهار

 

وتشير الجوجو إلى أن عوامل الإصابة بالسرطان متعددة، وتشمل العوامل الوراثية والبيئية والغذائية والتعرض للإشعاعات والتدخين، بما في ذلك التدخين السلبي.

 

كما تلفت إلى ارتفاع نسب الإصابة بسرطانات الثدي والقولون والجهاز الهضمي والرئة خلال السنوات الأخيرة، وهي نسب تتوافق مع الاتجاهات العالمية.

 

وتقول: "الأركيلة والتدخين يزيدان بشكل واضح من سرطانات الرئة، بينما ترتفع سرطانات الجهاز الهضمي والثدي عالمياً بشكل مستمر".

 

داخل مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار)

 

 

نظام صحي مستنزف منذ سنوات

لا يمكن فصل أزمة مرضى السرطان عن الانهيار الأوسع الذي أصاب القطاع الصحي خلال السنوات الماضية. فالحرب الطويلة، وهجرة الكوادر الطبية، والعقوبات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، كلها عوامل ساهمت في تحويل العلاج من حق أساسي إلى امتياز لا يصل إليه إلا القادرون مادياً.

 

وتوضح الدكتورة الجوجو بأن عدد المرضى الذين يفتحون أضابير جديدة مع بداية كلّ أسبوع قد يصل أحياناً إلى 800 مريض جديد، فيما يتراوح الحد الأدنى بين 300 و500 حالة أسبوعياً، بينما قد يتجاوز عدد المراجعين اليوميين الألف مريض.

 

وتقول: "البيروني يستقبل أعلى نسبة من مرضى الأورام في سوريا، لأنه يضم مختلف أقسام العلاج والأورام وأمراض الدم، لذلك يتوجه إليه المرضى من كل المحافظات".

 

كما كشفت أن المستشفى كان يستقبل بين عامَي 2020 و2022 ما يقارب الـ 14 ألف إصابة مشخّصة حديثاً سنوياً.

 

مريض بالسرطان يتلقى العلاج في مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار).

 

ويؤكّد عاملون في القطاع الصحي أن معظم المراكز الطبية الحكومية تعاني نقصاً حاداً في الكوادر التخصصية، ولا سيما أطباء الأورام والفيزيائيين المختصين بالعلاج الإشعاعي، إضافة إلى نقص الفنيين القادرين على تشغيل وصيانة الأجهزة الطبية الحديثة.

 

بالنسبة إلى كثير من المرضى القادمين من المحافظات البعيدة، لا تبدأ المعاناة داخل المستشفى فقط، بل منذ لحظة اتخاذ قرار السفر إلى دمشق أو حلب.

 

مرضى من محافظات مثل الحسكة ودير الزور والرقة يقطعون مئات الكيلومترات للوصول إلى مراكز العلاج، وفي أغلب الأحيان يضطرون إلى المبيت قرب المستشفيات أو استئجار غرف صغيرة بتكاليف إضافية لا قدرة لهم عليها.

 

تقول سيدة خمسينية جاءت من شرقي سوريا لمرافقة زوجها: "تكلفة الطريق وحدها أصبحت عبئاً. أحياناً ندفع أجرة النقل أكثر مما ندفع للطعام طوال الأسبوع".

 

وفي ظلّ غياب مراكز إقامة مخصصة للمرضى أو شبكات دعم اجتماعي فعالة، تضطر بعض العائلات إلى النوم في الحدائق العامة أو داخل السيارات بانتظار مواعيد العلاج.

 

مريض بالسرطان يتلقى العلاج في مستشفى البيروني (مروة البرغش- النهار).

 

الجمعيات الخيرية... دور محدود أمام أزمة ضخمة
خلال السنوات الأخيرة، برز دور عدد من الجمعيات الخيرية والمبادرات المدنية في محاولة سدّ جزء من الفراغ الذي تركه تراجع الخدمات الصحية.
لكن هذه الجهود - رغم أهميتها - تبقى محدودة أمام حجم الاحتياجات المتزايدة.

 

في السياق، تقول د. الجوجو: "رغم كثرة الكلام عن الدعم، فإن نسبة العمل الفعلية لبعض الجمعيات تتجاوز الـ 10 في المئة، لأن تكلفة العلاج مرتفعة جداً وبعض الأدوية غير متوافر أساساً".

 

ويقول أحد المتطوعين في مبادرة لدعم مرضى الأورام: "أحياناً نتلقى عشرات طلبات المساعدة يومياً، لكننا لا نستطيع تغطية سوى عدد محدود جداً".

 

الإدارة بين نقص الإمكانيات وضغط المرضى
من جهتها، أوضحت المهندسة قبس أبو دحلوش، مديرة التنمية الإدارية في مشفى البيروني، لـ"النهار"، بأن إدارة المشفى تواجه تحديات كبيرة منذ سنوات، حيث ورثت بنية تحتية متهالكة وتجهيزات قديمة، إضافة إلى نقص حادّ في الكوادر البشرية الطبية والإدارية الخبيرة، نتيجة انخفاض الرواتب في القطاع العام قبل التحرير.

 

كذلك تضيف أن تعطّل المصاعد وسوء خدمات التنظيف والتعقيم مرتبطان بعقود جرى فسخها، بناءً على بلاغات من الجهات الأعلى، حيث تم التوجيه بإعادة دراستها، ونحن الآن بصدد إعادة التعاقد وفق آلية جديدة تضمن تحسن الخدمات بشكل ملحوظ.

 

وأوضحت الإدارة بأن جميع خدمات مشفى البيروني مجانية بشكل كامل، بكلّ ما فيها من معالجة كيميائية وشعاعية وخدمات المخبر والتشريح المرضيّ وغير ذلك.

 

وعند عدم توفر بعض الأدوية في المشفى، يمكن للمريض إغلاق إضبارته فيه والتوجه إلى أي مشفى أو مركز طبي حكومي يوفر هذا الدواء.

 

كما يمكن للمريض تأمين الدواء بمساعدة بعض الجمعيات الخيرية بعد أخذ ورقة مختومة وموقعة من صيدلية المشفى تفيد بأن الدواء غير متوفر.

 

أخيراً، تؤكد إدارة المشفى أن الخدمات المقدمة ضمن المشفى كلها مجانية، وتدعو المرضى إلى التقدم بشكوى رسمية وإبلاغ الإدارة عند التعرض لأيّ ابتزاز أو رشوة من قبل أحد العاملين.

 

بين المرض والفقر… أيهما يقتل أولاً؟
في كثير من القصص التي وثقها التحقيق، لم يعد واضحاً ما إذا كان المرض نفسه هو الخطر الأكبر، أم الفقر الذي يرافقه.

 

فالعائلات لا تدفع فقط ثمن الدواء، بل أيضاً تكاليف النقل والتحاليل الطبية والصور الشعاعية والإقامة والتغذية الخاصة.

 

أحد المرضى القادمين من حمص قال لـ"النهار" إنه أجرى عملية استئصال للبروستات والمثانة في مشفى الأسد الجامعي، لكن جزءاً من المرض بقي منتشراً في العظم، ما اضطره للانتقال إلى البيروني للعلاج الكيميائي.

 

ويقول: "كل أسبوع أدفع ثمن التحاليل المطلوبة للحصول على الجرعة، إضافة إلى تكاليف السفر من حمص إلى دمشق. أقل تكلفة أسبوعية قد تصل إلى 800 ألف ليرة (8 آلاف في العملة السورية الجديدة= 58 دولارا) مع أجور الطريق والدواء".

 

كما تحدث صالح العلي، القادم من دير الزور لعلاج ابنه، عن تزايد الإصابات في منطقته خلال السنوات الأخيرة. ويقول: "أصبحنا نرى أعداداً كبيرة من الأطفال والنساء والرجال المصابين بالسرطان في دير الزور".

 

ويضيف أن بعض الجرعات التي احتاجها ابنه وصلت تكلفتها إلى 600 دولار للجرعة الواحدة، مشيراً إلى أن نوعين من الأدوية غير متوفرين إطلاقاً داخل البيروني.

 

وطالب بإنشاء مركز متخصص لعلاج الأورام في دير الزور لتخفيف معاناة المرضى ومرافقيهم.

 

 

مدخل مستشفى البيروني (النهار- مروة البرغش)

 

أزمة مفتوحة بلا حلول واضحة
حتى اليوم، لا يبدو أن هناك حلولاً جذرية قريبة لهذه الأزمة. ورغم بعض المبادرات الحكومية والجهود الخيرية المتفرقة، فإن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانيات ما تزال تتسع.

 

في الإطار، يحذر مختصون من أن استمرار نقص الأدوية وتأخر العلاج سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بالأورام خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع تزايد معدلات الفقر وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة.


وفي بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والإنسانية في المنطقة، يبقى مرضى السرطان بين الفئات الأكثر هشاشة، عالقين بين قوائم انتظار طويلة وأسعار علاج لا يمكن تحملها.

 

وبين ممرات المشافي المزدحمة وقوائم الانتظار الطويلة، يبقى السؤال مفتوحاً: كم مريضاً يمكنه الصمود قبل أن يتحول تأخر العلاج إلى حكم نهائي بالموت؟

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية