مرثيّةُ الرّابعِ من آب
فرانسيسكا موسى
ستُّ سنينَ…
ولم يهرم الوجعُ،
كأنّ الزمان
وقف عند ذلك المساء،
ثمّ ترك عقاربهُ
تدورُ فوق الجرح
ولا تمضي.
يقولون:
مرّت ستُّ سنين.
وكأنّ الأعوام
تُقاسُ بالأرقام،
لا بالقبور،
ولا بالأمهات
اللواتي ما زلن
يضعن صحوناً
لمن لن يعود.
في ذلك المساء،
لم ينفجر المرفأُ وحده،
انفجر العمرُ
في صدور مدينة،
وتناثرت الأحلامُ
كزجاج النوافذ،
وصار الهواءُ
يحملُ أسماء الراحلين
بدلاً من رائحة البحر.
أيُّها الرابعُ من آب،
ما كنت يوماً…
بل كنت قدراً
ألقى على لبنان
ثوباً من الحداد،
فما استطاعَ
أن يخلعهُ
إلى اليوم.
ستُّ سنين،
ولا تزالُ البيوتُ
تعرفُ أصحابها
أكثر من المقابر.
على الطاولات
أكوابٌ بردت
بانتظار يدٍ
لن تمتدَّ إليها،
وفي الأدراج
مفاتيحُ
تبحثُ عن أبوابٍ
أغلقها الغياب،
وفي الزوايا
ضحكاتٌ صغيرة،
كلَّما مررنا بها
سمعناها…
ثمَّ أدركنا
أنّ الصمت
صار أعلى من الأصوات.
ما أقسى
أن يشيخ الأطفالُ
وهم يحملون
ذكرى لا تخصُّ أعمارهم.
وما أقسى
أن يكبر وطنٌ
وهو عاجزٌ
عن دفن يومٍ واحد.
قالوا:
الوقتُ يداوي.
وكذب الوقتُ.
فالوقتُ
لا يداوي جرحاً
كلّما أطلّ آبُ
نزف من جديد.
الندبةُ لا تؤلمُ
لأنّها في الجسد،
بل لأنّها
في الذاكرة.
والذاكرةُ…
إذا سكنها الظلمُ،
لا تنام.
ستُّ سنين،
ولا سؤال وجد جواباً،
ولا دمعةً
وجدت عدلاً،
ولا قلباً
أقنعوهُ
أنّ الذين رحلوا
قد رحلوا حقّاً.
فالذين نحبُّهم
لا يغيبون دفعةً واحدة،
بل يرحلون
كلّ يوم.
في الكرسيِّ الفارغ،
وفي الرقم
الذي لم يعد يجيب،
وفي العطر
الذي ما زال
يسكنُ الخزانة،
وفي صورةٍ
يبتسمُ صاحبُها،
كأنّه لا يعرفُ
أنَّ الزمن
توقّفَ بعدَها.
يا رابعَ آب،
أيُّ لعنةٍ
جعلتك تعودُ
كلّ عام،
لا كتاريخ،
بل كسكّينٍ
يعرفُ الطريق
إلى القلوب.
نمضي…
ليس لأنَّنا نسينا،
بل لأنّ الحياة
تُجبرُ المنكسرين
على السير.
غير أنّ في داخل كلّ واحدٍ منّا
مدينةً
ما زالت
تحت الأنقاض.
وستبقى
ستُّ سنين،
أو ستّون،
أو عمراً كاملاً…
ولا يُقالُ عن الجرح
إنّهُ قديم،
ما دام العدلُ
لم يولد بعد.