مدرسة صغيرة في بلد كبير الجراح دبوس: "نشن حربا على الحرب!"
فدا مكداشي
في لبنان، لا تمر الحرفة بريئة من معنى إضافي. كل ما يُصنع باليد يحمل شيئاً من سيرة المكان، شيئاً من التعب، شيئاً من العناد، وشيئاً من تلك الرغبة القديمة في تحويل الخسارة إلى شكل، والقلق إلى مادة، والانتظار إلى عمل.
هنا، لا يولد شيء خارج القلق. المدرسة تولد في القلق. الفكرة تولد في القلق. والمشروع الصغير يفتح عينيه على بلد يبدّل أزماته ولا ينجح في الخروج منها. لذلك لا يبدو تعليم التصميم، في هذا المكان، ترفاً ثقافياً أو تمريناً جمالياً معزولاً. يبدو أقرب إلى محاولة لتأمين أدوات البقاء.
"مجال" في زمن المستقبل المؤجل
تأتي تجربة مدرسة "مجال" التي تأسست عام 2018 كمؤسسة ذات رسالة اجتماعية تركز على برامج تصميم المجوهرات وفنون النسيج وتطوير الأعمال، كمساحة لا تدّعي أنها قادرة على إنقاذ بلد. لكنها تحاول أن تفعل شيئاً أقل صخباً وأكثر واقعية: أن تمنح بعض شبابه فرصة لتعلّم مهارة، وصوغ فكرة، وبناء مشروع صغير في زمن صار فيه المستقبل نفسه مشروعاً مؤجلاً.
لكن توقيت التجربة لم يكن عادياً.
تقول المديرة التنفيذية والشريكة المؤسسة لمعهد "مجال" للتصميم الدكتورة ياسمين دبّوس: "أطلقت المدرسة برامجها التأهيلية في أيلول 2024، قبل أسبوع من اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان. بدأ الطلاب رحلتهم مع التصميم، بينما كانت البلاد تدخل فصلاً جديداً من الخوف. لم يكن الصف منفصلاً عن الخارج. ولم تكن المشاريع محمية تماماً من صوت الأخبار. ومع ذلك، استمر العمل".
وتضيف: "في مثل هذا السياق، يصبح السؤال أكبر من برنامج تعليمي. ماذا يعني أن يتعلّم شاب تصميم المجوهرات في بلد تنهار فيه الضمانات؟ ماذا يعني أن تنسج طالبة مشروعها الأول فيما البلاد نفسها ممزقة بين حرب وأزمة وانتظار؟ ربما يعني ذلك أن الإنسان لا يعيش بالسياسة وحدها، ولا بالنجاة وحدها. يحتاج أيضاً إلى معنى، إلى عمل، إلى شيء يصنعه بيديه كي لا يشعر أنه مجرد متفرج على انهيارٍ طويل".
"نشن حرباً على الحرب"
في كلمتها خلال تخريج الدفعة الأولى، المؤلفة من 11 طالباً وطالبة، سبعة منهم في تصميم المجوهرات وأربعة في تصميم المنسوجات، قالت دبّوس: "نحن نشنّ حرباً على الحرب".
ليست العبارة شعاراً إحتفالياً عابراً. في بلد يعرف الحروب والانهيارات، تبدو الجملة محاولةً لتسمية فعل صغير في مواجهة خراب كبير. فالحرب لا تُواجَه بالسلاح فقط. أحياناً تُواجَه بالإصرار على فتح مدرسة، وإضاءة مشغل، وتعليم شاب كيف يحوّل الفكرة إلى قطعة قابلة للحياة.
وتلفت دبّوس إلى أنه "خلال فترة الدراسة، عمل الطلاب على تطوير مشاريعهم، وتمكّن بعضهم من إطلاق علاماتٍ تجارية صغيرة أو عرض منتجاتهم في متاجر محلية ودولية قبل التخرّج".
وتقول أيضاً: "لا شيء يهزم الدمار أكثر من الإبداع والبناء والصنعة". ليست الجملة بعيدة عن واقع لبنان. فالدمار هنا ليس دائماً جداراً مهدماً. أحياناً يكون فرصة ضائعة، أو مهنة مؤجلة، أو شاباً يغادر لأنه لم يجد مكاناً لموهبته.
التصميم كتعليم على الحلول
من جهتها، تقول مديرة التسويق ورئيسة مختبر الأعمال في المدرسة باميلا ضاهر، إن الهدف كان "سدّ الثغرات في تعليم التصميم ودعم نمو الصناعات الإبداعية في لبنان".
أما الشريكة المؤسسة ومديرة البرامج نور تنير، فترى أن "التصميم مهارة عملية تقوم على إيجاد حلول للمشكلات".
هنا تكمن إحدى دلالات التجربة. فالتصميم لا يعلّم الطالب كيف يصنع قطعة جميلة فقط. يعلّمه كيف يواجه مشكلة. كيف يختار المادة، كيف يجرّب، كيف يفشل، وكيف يبدأ من جديد؟ وهذه مهارات يحتاجها اللبناني يومياً، داخل المشغل وخارجه.
الاقتصاد الصغير في زمن الانهيار
منذ عام 2019، يعيش لبنان انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق، زادت حدّته الحرب الأخيرة بعد سنوات من تراجع العملة واتساع الفقر. وفي هذا السياق، كشفت كارثة انفجار مرفأ بيروت أن الضرر الذي يصيب المؤسسات الصغيرة لا يتوقف عند أصحابها، بل يمتد إلى الموظفين والعائلات والأحياء التي تتحرك فيها.
لهذا أنشأ البنك الدولي، بعد الانفجار، صندوق Building Beirut Businesses Back and Better المعروف بـ"B5"، بمنحة قيمتها 25 مليون دولار، لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص والمؤسسات المتضررة. كان ذلك اعترافاً بأن إنقاذ مشروع صغير يمكن أن يكون جزءاً من إنقاذ شبكة اقتصادية واجتماعية أوسع.
لم يكن الأمر مجرد ترميم واجهات مكسورة أو تعويض معدات تالفة. كان اعترافا بأن المؤسسة الصغيرة ليست ملكاً لصاحبها وحده. حين تسقط، يتأثر ربّ العمل، والموظفون، والعائلات، والشارع الذي كانت تتحرك فيه، والحي الذي كان يستفيد من دورانها اليومي.
إقتصاد صغير... أثر يتّسع
من هنا يمكن النظر إلى الحرفة، وتصميم المجوهرات والمنسوجات، كجزء من شبكة الاقتصاد الصغير الذي تحتاج إليه مرحلة التعافي. فالقطعة التي تُصنع في مشغل صغير لا تقف عند حدود الجمال. وراءها مواد تُشترى، ووقت يُستثمر، ومعرفة تُنقل، وعلاقة محتملة مع زبون أو متجر أو سوق أوسع.
في لبنان، لا يحتاج التعافي إلى المشاريع الكبرى فحسب، بل أيضاً إلى مبادرات صغيرة قادرة على الصمود، وإلى مهارات تتحول إلى عمل. واليوم، يتخرّج طلاب "مجال" وهم يحملون خبراتهم إلى خارج الصفوف؛ بعضهم بدأ بتأسيس مشروعه الخاص، وإحدى الخريجات تستعد لأخذ تصاميمها إلى لندن. لذلك، مهما بدت هذه المشاريع محدودة، فإن أثرها يتجاوز القطعة المصنوعة نفسها. فهي تطاول صاحب العمل والموظفين والعائلة والحي، وتصبح جزءاً من اقتصاد صغير يساهم، بصمت، في مسار التعافي.