مختصون يسلطون الأضواء على عوامل "تسريع التعافي من الأحزان"

يُلاحظ في الحياة اليومية تفاوت واضح في طريقة تفاعل الأفراد مع مشاعر الحزن؛ إذ يتمكن البعض من تجاوزها في وقت وجيز، بينما تستغرق فئة أخرى مدة أطول قبل أن تستعيد توازنها النفسي، وهو ما يثير اهتماما متزايدا بهذا الجانب من التجربة الإنسانية.

يطرح هذا التباين في الإحساس والتعامل مع فترات الحزن تساؤلات حول اختلاف الإيقاع النفسي بين الأشخاص وكيفية تشكُّل مسارات التعافي بشكل غير متشابه، في مشهد يعكس تنوعا عميقا في طبيعة التجارب الفردية وحدود القدرة على التكيف.

عوامل متحكِّمة

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت: “إن تعامل الناس مع الحزن يختلف بشكل واضح؛ فهناك من يمرّ بهذه المرحلة بسرعة نسبية ويستعيد توازنه النفسي، بينما يغرق آخرون في مشاعر الحزن لفترات طويلة”، منبهة إلى أن “هذا التفاوت لا يعود إلى ‘قوة’ أو ‘ضعف’ الشخصية كما يُعتقد شائعا، بل تحكمه مجموعة من العوامل النفسية والبيولوجية والاجتماعية المتداخلة”.

عن أهم العوامل المتحكمة في سهولة أو صعوبة تجاوز مشاعر الحزن، ذكرت ندى الفضل “البنية النفسية للفرد”، موضحة أن “الأشخاص الذين يمتلكون مرونة نفسية عالية (Résilience) يكونون أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات واستيعابها”، مضيفة أن “التجارب السابقة تلعب دورا مهما أيضا؛ إذ إن من تعلّم سابقا كيفية مواجهة الأزمات، يطور آليات دفاع أكثر نجاعة. وفي المقابل، قد تؤدي الصدمات غير المعالجة أو الفقدان المتكرر إلى إضعاف القدرة على التعافي”.

وأشارت الفضل إلى أن “طريقة تفسير الحدث تؤثر بشكل مباشر في مدة الحزن”، موردة أن “الشخص الذي يميل إلى التفكير الكارثي أو لوم الذات يطيل من معاناته، بينما يساعد التفسير الواقعي والمتوازن على التخفيف منها، كما لا يمكن إغفال دور الدعم الاجتماعي، حيث يشكل وجود أشخاص داعمين عامل حماية أساسيا، في حين إن العزلة تزيد من تعقيد المشاعر السلبية”.

من جهة أخرى، أكدت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية، في تصريح لهسبريس، أن “العوامل البيولوجية تلعب دورا أيضا، مثل التوازن الكيميائي في الدماغ، إضافة إلى الحالة الصحية العامة ومستوى الضغط النفسي”، مبرزة في السياق ذاته أن “الثقافة والتنشئة تحددان طريقة التعبير عن الحزن؛ فبعض البيئات تشجع على الكبت، مما يؤخر عملية التعافي”.

فيما يخص التعامل الصحيح مع فترات الحزن، شددت ندى الفضل على أهمية “تقبّل المشاعر بدل مقاومتها، لأن الحزن استجابة طبيعية للفقد أو الخيبة”، و”التعبير عن المشاعر سواء بالكلام مع شخص موثوق أو عبر الكتابة، مما يساعد على التفريغ الانفعالي”، و”الحفاظ على روتين يومي متوازن يتضمن النوم الكافي والنشاط الجسدي، لما له من تأثير مباشر على الحالة المزاجية”.

وقالت: “من المفيد أيضا العمل على إعادة بناء المعنى، أي محاولة فهم التجربة واستخلاص دلالات تساعد على النمو النفسي بدل الانهيار، وفي الحالات التي يستمر فيها الحزن بشكل مفرط أو يتحول إلى معاناة يومية، يصبح من الضروري طلب المساعدة المتخصصة لتفادي تطوره إلى اضطرابات أكثر تعقيدا”.

وختمت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية توضيحها بالإشارة إلى أن “الحزن ليس مرحلة يجب الهروب منها، بل تجربة إنسانية كغيرها من تجارب الحياة التي تحمل في طياتها إمكانية النضج وإعادة التوازن، شرط أن يتم التعامل معها بالوعي والمرونة اللازميْن”.

عوامل معقّدة

قال هشام العفو، متخصص ومعالج نفسي، إن “عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية معقدة تتحكم في التفاوت بين الأفراد في تجاوز الحزن، أبرزها ‘المرونة النفسية’ التي تعتمد على كفاءة المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis) في تنظيم استجابة التوتر، كما تلعب الوراثة دورا في تحديد مستويات الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، مما يؤثر على سرعة التعافي الوجداني”.

وعلى المستوى الإكلينيكي، أفاد العفو بأن “أنماط الارتباط التي تكونت في الطفولة تؤثر على كيفية معالجة الفقد”، موردا أن “الارتباط الآمن يسهل التجاوز، بينما الارتباط القلق قد يؤدي إلى ‘الحزن المعقد’ وحتى ‘الحزن المطول’ الذي تم اعتماده في التصنيف الجديد للجمعية الأمريكية للطب النفسي APA، كما تلعب ‘المرونة المعرفية’ وقدرة الفرد على إعادة التقييم الإيجابي للمواقف، بجانب قوة الدعم الاجتماعي المتاح، دورا حاسما في تحديد مدة وعمق التجربة الشعورية، مما يفسر قدرة البعض على ‘النمو ما بعد الصدمة’ مقابل استغراق آخرين في اجترار الألم”.

ومن أجل التعامل الصحيح مع الحزن، شدد هشام العفو، في تصريح لهسبريس، على ضرورة “قبول الشعور ومنحه الشرعية الكاملة دون استعجال الشفاء، مع تجنب كبت العواطف الذي يؤدي إلى تفاقمها لاحقا”، و”اتباع نموذج المسار المزدوج الذي يوازن بين مواجهة ألم الفقد وبين الانخراط التدريجي في أنشطة الحياة اليومية”.

ومن الناحية السلوكية، قال المتخصص والمعالج النفسي إن “الالتزام بروتين صحي متوازن (نوم، تغذية، رياضة) يساعد في استقرار الكيمياء الحيوية للدماغ، إضافة إلى مسألة طلب الدعم المهني من مختص نفسي التي تعتبر أساسية وضرورية في هذه الحالات، خصوصا إذا تعطلت الوظائف الحياتية، من أجل ضمان عدم تحول الحزن الطبيعي إلى اكتئاب إكلينيكي”.

The post مختصون يسلطون الأضواء على عوامل "تسريع التعافي من الأحزان" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress