محيي الدين اللاذقاني يسائل "الفانتازيا" ليحطّم "الأسطوري" في تاريخ الأندلس

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في كتابه "في الطريق إلى بيت ولّادة"، الصادر حديثاً عن دار "العين" في القاهرة، يأخذنا الشاعر والصحافي السوري محيي الدين اللاذقاني، في رحلة محدَّدة الهدف سلفاً، لكنه في تأملاته التي تربط الماضي بالحاضر، وتستحضر دمشق في قرطبة، يميل إلى انتقاد "فانتازيا التاريخ" التي رسَّخت وقائع وأحكاماً زائفة تخصّ الأندلس. هو هنا يمنح القارئ متعة الرحلة نفسها؛ حتى لو تحقق الهدف المبتغى على نحو افتراضي لا يجد ما يؤكده على أرض الواقع الذي غيَّرت تطورات ألف عام انقضت من ملامحه المذكورة في شعر ونثر أعلام الحقبة الأندلسية التي باتت بمثابة الفردوس المفقود في الذهنية العربية، جيلاً بعد جيل.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإنه ما كان للرحلة أن تمر مرور الكرام على تزامنها مع الذكرى الألفية لأشهر كتب الحب "طوق الحمامة"، لتتطوّر الفكرة التي بلورها أصلاً حنين اللاذقاني في منفاه الذي امتد واستطال، إلى دمشق عاصمة الأمويين في المشرق، مستندة إلى رموز الماضي ونصوصه ووثائقه، وكشوفات العصر الرقمي، لتهدي الباحث عن الحب إلى حيث يبدأ اللغز من تمثال ابن حزم الأندلسي الذي عاصر ولّادة بنت المستكفي، ومع تشابك السيرتين، تقاطعت الطرق والسِير مع شخصيات ابن زيدون وابن عربي، والمعتمد بن عبّاد؛ لتحمل الكاتب إلى مرسيّة وألمَريّة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية، ثم تعيده إلى قرطبة ليبدأ من بيت ولّادة الافتراضي كتابة سيرة جديدة لملحمة العشق العربي، بحسب ما وضعه الناشر على ظهر غلاف كتاب اللاذقاني، وهو من تصميم عبد الرحمن الصواف.

 

غلاف الكتاب. (دار العين)

 

قصّة حبّ ملفّقة
ففي مقابل الوزير أبي الوليد أحمد بن زيدون الذي يؤكد اللاذقاني أنه لفَّق قصة حبّ ولّادة له، هناك الوزير ابن عبدوس المنافس الافتراضي لـ"لوزير العاشق" على قلب الأميرة الأندلسية نفسها. وعلى عكس "صافي السريرة" ابن عربي، كان ابن زيدون "كتلة مكائد في السياسة والحبّ أيضاً". فأشهر رسائله المعروفة باسم "الرسالة الهزلية"، كتبها على لسان ولّادة في هجاء خصمه ابن عبدوس، "ولما رفضت الأميرة الشاعرة تبنّيها، أذاعها هو بين الناس، فقلبت له ظهر المِجَنّ، وقصفت جبهته بهجائيات لاذعة جعلته يلعن الساعة التي فكر فيها بتلك الرسالة" ص 122. ومن حسن الحظ – يقول اللاذقاني – أن في تلك الرسالة، إشارة إلى أن قصر ابن عبدوس كان قريباً من قصر ولّادة، "ولولا أن للجوار ذمّة، وللضيافة حُرمة، لكان الجواب في قذال الدّمُستق، والنعل حاضرة، إن عادت العقرب، والعقوبة ممكنة إن أصرَّ المذنب".

وفيما كان ذلك حال ابن زيدون، الذي لم يكن يشغله في حقيقة الأمر سوى بلوغ طموحاته السياسية بأيّ ثمن، نجد أن ابن عربي جعل ابنة شيخه نظام، رمزاً للحب غير الحسّي، وصنَّف الخيال من الطبيعة النورانية، وجعله المدخل لإدراك التجليات، "ومن هنا يمكن فهم مذهبه الذي حاربه الفقهاء والتفّ حوله المتصوّفة، كما يمكن فهم العقلية والثقافة الأندلسية بمجملها التي حظيت في عصر ولّادة وما بعده بمساحات واسعة من التسامح لم تتح للثقافات العربية في المشرق"، كما يستنتج اللاذقاني. والأعمدة الأساسية – يضيف المؤلف – التي وقف عليها عصر النهضة صُنعت على أيام الخلافة الأموية في الأندلس التي كانت، رغم كثرة الاضطرابات والفتن فيها، "عصراً ذهبياً للثقافات، والآداب والعلوم، تمتعت بنعيمه مختلف اللغات والشعوب" (ص132).

التفسيرات الذكورية
إجمالاً يفنّد اللاذقاني هنا تاريخاً؛ "فيه من الكذب أضعاف ما تحتويه كتبه من أنصاف الحقائق والفبركات". ويؤكد أن في قصّة ولّادة مع عشاقها عامّة وابن زيدون على وجه الخصوص "فبركات" أضافتها التفسيرات الذكورية للحفاظ على صورة الشاعر الفحل، الذي كان كما يبدو يحسّ بالفروق الطبقية بينه وبين من يحبّ.

 

اللاذقاني مع تمثال ابن عربي.

 

ويرى أنه على الرغم من أن معظم وزراء ذلك العصر، كانوا أهل أدب وشعر، لم يمنعهم ذلك من الانغماس في صراعات ومكائد لا علاقة لها، لا بالشعر ولا بالأدب. أما المستكفي، والد ولّادة، فكان أسخف الخلفاء الأمويين في الأندلس... "لقد كان عصراً تراجعت فيه حظوظ العرب وهان أمرهم، وتحكَّم بهم أعداؤهم، وفسدت نخبهم السياسية والثقافية، وصارت ألعوبة بيد القوى الأجنبية، بل وكان عندهم تطبيع سياسي مع الأعداء". وفي تلك الحقبة المتأخرة من تاريخ الأندلس، صار إحراق كتب الأدباء والفلاسفة عادة يتقرَّب بها السلاطين إلى العامّة.

لقد كانت الأندلس – يقول اللاذقاني – حلماً حققه مغامرون وشجعان وثبَّته رجال دولة أقوياء، ثم بدَّده صلف الأدعياء، "لكنه لم يغب أبداً عن مخيلة الأجيال، حتى بعد خروج أبي عبد الله الصغير من غرناطة بعد مصرع الوزير لسان الدين بن الخطيب بقرن وربع قرن من الزمان، فالحلم الأندلسي ما زال يتجدّد بأزهى صوره وحكاياته ليذكّر العالم بأولئك الذين أمضوا أعمارهم في ركوب الصعب ومقارعة المستحيل، لذا لا نستغرب أن يصاب العرب جميعاً بحالة عشق غريبة للأندلس". فقد وقف النفوذ السياسي والعسكري عند طليطلة ومدريد، بحسب تأملات اللاذقاني، فيما أكمل النفوذ الثقافي الذي أتى من قرطبة وإشبيلية وطليطلة، الدورة الحضارية التي تأففت الحضارة الغربية من الاعتراف بها لقرون عدة، "قبل أن تكسر تأففها بالتدريج بعد اكتشاف الدور الخطير الذي قام به عصر ولّادة في الغزو الثقافي للشمال الإسباني والجنوب الأوروبي".

قبل ماركيز بألف عام
كان مجلس ولادة في قرطبة، كما قال المقرّي التلمساني في "نفح الطيب"، "منتدى لأحرار العصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظْم والشعر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرّتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها وعلى سهولة حجابها، تخلط ذلك بعلوّ نصاب، وكرم أنساب وطهارة أثواب". أما ابن حزم فكان، كما يقول اللاذقاني، يجمع أخبار العشق والعشاق قبل "فلورنتينو أريسا"؛ بطل ماركيز في رواية "الحب في زمن الكوليرا" بألف عام ونيِّف، ويشهد العالم ينهار من حوله، لبنة إثر لبنة، فيتشبث بالمودّة والألفة الإنسانية ليقاوم بهما كل ذلك الخراب. لقد عجز المستشرق الهولندي رينهارت دوزي الذي اكتشف النسخة الوحيدة المعروفة من كتاب "طوق الحمامة" عام 1841 بين مخطوطات جامعة ليدن - يضيف اللاذقاني - عن أن يفهم عذابات تلك الروح العربية الأصيلة، أو أن يعرف مصدر النبع الذي تستقي منه ذلك الشغف بالموجودات، وتلك الحالات الراقية المتسامية من الحب، والألفة المترامية الأطراف، "لذا ردَّ هو وغيره حالات الحب الروحي في كتاب "طوق الحمامة" والحب العذري إلى الأصول المسيحية الغربية".

 

محيي الدين اللاذقاني والناشرة فاطمة البودي خلال إطلاق الكتاب في القاهرة

 

إن دين ابن حزم الذي كان يسكن قريباً من بيت ولّادة في حومة بلاط مغيث على طريق الزهراء، هو خلاصة عطرة لمدينة قرطبة التي تشدّ القلوب قبل أخواتها الأندلسيات، لا شوقاً لولادة وابن زيدون وابن ميمون وابن رشد، بل قبلهم جميعاً لابن جزم الفقيه العاشق. أما فانتازيا التاريخ، فقد جعلت ما يصلنا عن الأندلس – من مصادر عربية وغير عربية – ملوّناً بالرغبات والهواجس الفردية والجماعية حيث كل إنسان يقرأ الجملة والاسم والحدث بالطريقة التي يراها ويستوعبها. ومن ثم - يقول اللاذقاني – كان  علينا أن ننتظر حتى النصف الثاني من القرن العشرين لنقرأ مجموعة من الكتابات الموثقة والمبرأة من الهوى وسطوة الأسطورة والحلم الجمعي. ولولا هذه الجهود الأكاديمية المتأخرة لما كان المعتمد بن عبّاد – مثلاً – في التاريخ العربي إلا مجموعة من المدائح والمراثي. فبفعل المخيال الشعبي الكاسح – يؤكد اللاذقاني – تحقق للمزاجية التاريخية ما تريد، فاختفى طارق بن زياد وكأن الأرض انشقت وابتلعته، فلم يُعرف له أثر، وذهب موسى بن نصير إلى مصير مجهول تضاربت حوله الآراء، وكان المطلوب في المرحلة الوسطى أن ينهض من محيط سلبيات ملوك الطوائف رمز إيجابي ليُنسي العرب أنهم بدأوا يدمّرون مُلكهم بأيديهم قبل أن تصلهم الغزوات الخارجية.

محيي الدين اللاذقاني (1951) حصل على ليسانس في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب، وحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة الإسكندرية. عمل في الصحافة العربية في لندن، وله شعراً "انتحار أيوب" و"أغنية خارج السرب" و"من كان حزيناً فليتبعني". وله مسرحية عنوانها "الحمام لا يحب الفودكا". ومن كتبه الفكرية والنقدية: "ثلاثية الحلم القرمطي"، "عكس التيار"، "آباء الحداثة العربية"، "الأنثى مصباح الكون" وله في أدب الرحلات: "نورس بلا بوصلة" و"طواحين الكلام".

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية