محنة المرابط ونفاق بنعبد الله ومأزق بوعشرين

استغربت كثيراً وأنا أستمع، بحر الأسبوع الماضي، لمقطع من مداخلة نبيل بنعبد الله، الذي حل ضيفاً على مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد بسلا، في إطار جلسات النقاش السياسي التي تحتضنها في الفترة الأخيرة، وهو يروي، بنبرة واثقة، كيف تدخل سنة 2003، عندما كان وزيراً للاتصال في حكومة جطو، من أجل السماح للصحافي علي المرابط بمغادرة التراب الوطني، بعدما اعترضته السلطات في المطار لمنعه من السفر، واتصل فور علمه بالأمر بجهات لم يسمّها، لتمكين مدير مجلة “دومان” من ركوب الطائرة كسائر الناس؛ فما كان مني وأنا أصغي لهذا الخطاب النضالي المتأخر بأزيد من عقدين، إلا أن تذكرت بمرارة ما قاله ذات يوم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي : «رب إن المنافقين ببغداد كثير وَقَد أَتوا أضرارا.. رب إني نصحتهم أن يتوبوا ثم إني أَنذرتهم إنذارا».

​ولعل الكاماراد نبيل، وهو يستعرض أمجاد عطائه النضالي والحقوقي، لم يقرأ جيداً ما سطّره المفكر عبد الله العروي، حين جزم بأن المؤرخ هو عدو رجل السياسة، لأنه يذكر ويتذكر؛ ولا يعرف أن الفرنسيين، في أدبياتهم السياسية الماكرة، يعلمون جيداً أن أقصر شيء عند رجل السياسة ذاكرته. والواقع أن مشكلة بنعبد الله، منذ أن نفضه المخزن وأجهز على حياته السياسية سنة 2017، ليست في قصر ذاكرته، بل في اعتقاده الواهم بأن ذاكرة المغاربة وعقول النخبة قد أصابها الخرف المبكر، إلى الحد الذي يسمح له بتبني بطولات حقوقية زائفة، وتناسي كيف أنه، عندما كان مرحباً به في أكواريوم السلطة، تولى بنفسه مهمة جر الصحافة المستقلة إلى مقصلة الرقابة والتضييق بعد مرور أربع سنوات فقط على بداية العهد الجديد.

المثير في القصة هو أن ​صفعة التكذيب والتفنيد جاءت سريعة ومن المعني بالأمر نفسه، علي المرابط، الذي لم يتأخر في الخروج عبر شريط فيديو على قناته، لينسف ادعاءات بنعبد الله من أساسها، ويكشف بالوقائع والمعطيات كيف أن وزير الاتصال الأسبق لعب دوراً عكسياً تماماً خلال محنته، في وقت كانت فيه قضية مدير “دومان” قد تحولت إلى ملف يؤرق الدولة ويخدش صورتها في الخارج، عقب اعتقاله غداة أحداث 16 ماي، والحكم عليه بأربع سنوات سجناً نافذاً بسبب سلسلة من المقالات والحوارات والرسوم الكاريكاتورية التي كان ينشرها في “دومان” بنسختيها العربية والفرنسية.

ما الذي يمنع بنعبد الله اليوم، وقد تبخّرت طموحاته في العودة إلى كراسي الاستوزار، واقترابه من بلوغ سن السبعين التي تفرض شيئاً من الوقار والمراجعة الذاتية، من أن يمتلك شجاعة القيام بـ “mea culpa” علنية وصريحة ؟ فمادام السي نبيل يحرص بكل هذا الشغف على تأثيث المنتديات وحلقات النقاش الفكري والسياسي، لم لا يتجرأ ويقدم اعتذاراً للمغاربة عن تلك الأدوار البائسة التي لعبها لسنوات من أجل خنق الصحافة المستقلة وتحجيم حضورها ؟ الاعتذار شيمة الكبار، غير أن مشكلة الشيوعي الأول في المملكة، تكمن في كونه لا يفرق بين المراجعة النقدية التي ترمم التاريخ، وبين البروباغندا الفارغة التي تحاول تزويره بتوزيع صكوك غفران باطلة في حضرة نخبة من المثقفين تحتضنهم مؤسسة بوعبيد.

المثير في رد علي المرابط أيضاً، هو توجيهه لللوم إلى الصحافي توفيق بوعشرين، الذي كان مشاركاً في الندوة، عن عدم استغلاله الفرصة لإحراج “الحاج الشيوعي” ووضعه أمام حقيقة ادعاءاته الكاذبة بالدفاع عن حق المرابط في السفر، في الوقت الذي خرج فيه لكي يبرر، وهو عضو في الحكومة، منعه من مغادرة التراب الوطني؛ وكذا تغاضيه عن مساءلة محمد الأشعري، الذي كان يجلس بجانب بنعبد الله، عما إذا كان ما يزال متفقاً مع قرار إغلاق “دومان” و”لوجورنال” و”الصحيفة” الذي اتخذه عبد الرحمن اليوسفي سنة 2000. لكن يبدو أن المرابط نسي هذه المرة، في غمرة غضبه، أن بوعشرين نفسه يعيش مأزق المنع من السفر منذ الإفراج عنه قبل سنتين؛ وأن فاقد الشيء، في بورصة المواقف، لا يمكن أن يعطيه. فكيف لرجل لا يزال يتحسس خطاه خارج أسوار السجن، ولم يستعد بعد كامل حريته في التنقل، أن يغامر بإحراج وزير سابق لم يكن في آخر المطاف، رغم كل المؤاخذات الموجهة إليه، سوى عبد مأمور ينفذ توجيهات الجهات التي حملته من جريدة “البيان” ووضعته على رأس وزارة الاتصال لمواجهة إخوانه في الحرفة ؟

بوعشرين، خلافاً لكل الحاضرين في تلك الندوة، هو أكثر من يعي ويعرف أن “مُتَحَوِّر” بنعبد الله الذي يجلس أمامهم اليوم، يختلف كلياً عن بنعبد الله الوزير والسفير، الذي خرج سنة 2005 ليتهم أسبوعية “الجريدة الأخرى”، التي كان بوعشرين يرأس تحريرها، بالإساءة إلى الملك وانطوائها على نية سيئة تجاه مؤسسات البلد، بعدما نشرت استطلاعاً وضع الملك محمد السادس ثانياً أمام شخصية السنة إدريس بنزكري، والذي لم يقل شيئاً عندما حكم على جريدة “المساء”، التي كان يرأس تحريرها كذلك، سنة 2008، بأداء غرامة 600 مليون سنتيم، والذي ابتلع لسانه سنة 2009 عندما أغلقت جريدة “أخبار اليوم”، ستة أشهر فقط بعد تأسيسها، بسبب كاريكاتور الأمير مولاي إسماعيل.. لكن بوعشرين سيخسر أكثر مما سيربح لو أحرج بنعبد الله، الذي دافع عنه وطالب بإطلاق سراحه بعد اعتقاله سنة 2018، بعدما تيقّن بأن المخزن لن يستقدمه مجدداً ليصبح وزيراً أو سفيراً أو رئيس مؤسسة؛ في مرحلة عاد فيها إلى ممارسة الصحافة، بعد سبع سنوات قضاها خلف القضبان، ليصطدم بواقع جديد لم تعد فيه صدور جل الفاعلين الحزبيين تتسع لنهجه المشاكس وأسلوبه الحاد الذي عُرف به، مما يجعل استعداء فاعل سياسي آخر كبنعبد الله سلوكاً غير برغماتي في السياق الحالي؛ لذلك آثر بوعشرين الحفاظ على شعرة معاوية مع زعيم حزب الكتاب، تلافياً لفتح عداوة جديدة في مناخ سياسي خانق تضيق فيه هوامش الحركة وتغيب فيه مساحات الأمان.

الآن، بعد مرور أزيد من عشرين سنة على قضية علي المرابط ومغادرته المغرب، أليس من الضروري أن نتساءل عما ربحته الدولة من هذه القصة ومما تلاها من تبعات وانعكاسات ؟ ألم يكن من الممكن استيعاب المرابط ومن يشبهونه هنا في الداخل، وتركهم يكتبون ويعبرون عما يرون وما يفكرون فيه، دون الحاجة إلى كل هذه الدراما التي لم تقدم شيئاً سوى خدش صورة المملكة في الخارج، وتحويل مداد المشاكسة الداخلية إلى قذائف رقمية عابرة للقارات، تصفي حسابات الماضي والحاضر في بث مفتوح أمام العالم ؟

اقرأ المقال كاملاً على لكم