محمد صلاح ومنتخب مصر... عندما تتحوّل الأسطورة إلى معضلة تكتيكية
تضع مباريات الإعداد الأخير لكأس العالم الشارع الرياضي والجهاز الفني المصري أمام حقيقةٍ فنية لم يعد حجبها ممكناً بدافع العاطفة أو بقدسية الإنجازات السابقة.
المواجهات الأربع التي خاضها "الفراعنة" أمام السعودية، إسبانيا، وروسيا، وصولاً إلى موقعة البرازيل الأخيرة، لم تكن مجرّد تجارب ودية عابرة، بل تحوّلت إلى وثيقة إدانة تكتيكية واضحة تُعيد رسم هوية المنتخب الوطني، وتطرح تساؤلاً مشروعاً حول جدوى استمرار محمد صلاح في التشكيلة الأساسية.
لطالما مثّلت قصة "حصان طروادة" في الوجدان الإنساني رمزاً للهدية الباهرة التي يخفي جوفها هلاك من يستقبلها؛ واليوم، يكاد هذا الإسقاط التاريخي أن ينطبق على وضعية النجم الأول للمنتخب المصري. فالإصرار على الدفع بصلاح أساسياً، لمجرّد نجوميته، بات يشبه إدخال ذلك الحصان الخشبي إلى عمق المنظومة التكتيكية.
في المباريات الثلاث الأولى، وخلال الشوط الأول أمام البرازيل، بدا المنتخب كتلةً صلبة تتحرّك بروح جماعية منضبطة، تملك حدة في الضغط العكسي وتقارباً في الخطوط، ما أثمر عن أداءٍ رفيع ونتائج إيجابية مستحقة. غير أنّ المشهد انقلب رأساً على عقب في الشوط الثاني مع نزول صلاح؛ إذ شكّل النجم الكبير عبئاً دفاعياً حقيقياً، وبدت الجبهة اليمنى مستباحةً لغياب المساعدة الدفاعية والضغط على حامل الكرة، ليتجرّع الفريق انهياراً تكتيكياً، جعل المنتخب يبدو كأنه يلعب ناقصاً لاعباً.
هذا التراجع البدني والفني ليس وليد المصادفة، ولا يرتبط بمباراة ودية تحضيرية يظن البعض أنّ النسق سيتغير بعدها في الرسميات، بل هو امتداد طبيعي لموسم صلاح الأخير سواء مع المنتخب أو ليفربول، والذي انتهى برحيله بعد أن اتضح للجميع أنّ تلك السرعات والقدرة على الحسم طوال 90 دقيقة قد دخلت طور الأفول الشديد.

كرة القدم النخبوية في أوروبا أدركت أنّ طريقة اللعب الحديثة لا ترحم من يتكاسل عن أداء الواجب الدفاعي، وهو الدرس ذاته الذي لقنته عروض المونديال التحضيرية لـ"الفراعنة"؛ فالانتصارات تحققت بفضل "الغرينتا" والمجهود المتواصل من الجميع، وحين غاب هذا الالتزام الصارم بنزول "النجم الأوحد"، حلت الفوضى البدنية واستُنزفت طاقة بقية العناصر في محاولة تعويض غيابه عن المنظومة الدفاعية.
قدم صلاح الى المنتخب سنواتٍ من المجد الفردي والجماعي، وحمل أحلام الكرة المصرية على عاتقه في محافل عدة، محققاً أرقاماً قياسية ستظل محفورة إلى الأبد. غير أنّ دوام الحال من المحال، والاعتراف بالتراجع البدني لا ينتقص من قيمته، بل يضعه أمام مسؤولية تاريخية جديدة تتطلب تغليب المجد الجماعي للفريق على الطموحات الشخصية والأرقام الفردية: فالنجم الأول يحتاج إلى تفهم طبيعة المرحلة، وإدراك أنّ التراجع خطوةً إلى الوراء يمنح الفرصة للعناصر الشابة والأكثر جاهزية لخدمة قميص الوطن، وهو ما يعزز استقرار الفريق بدلاً من تحوّله إلى ثغرة تكتيكية تُستغل في المحفل العالمي الأهم.
المطالبة بإجلاس صلاح على مقاعد البدلاء لا تنطوي على أي تقليل من قيمته كأسطورة حية للكرة المصرية، بل هي قراءة واقعية متجرّدة تحمي المنتخب من دمار محتم في المحفل العالمي. الجهاز الفني يحتاج الآن إلى شجاعة قيادية استثنائية لتحويل النجم الأول إلى "ورقة رابحة استراتيجية" على مقاعد البدلاء، يُدفع بها وقت الحاجة.