محفوظات الألم: قراءةٌ في ذاكرةِ الحربِ عند ناديا تويني

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فاروق غانم خداج (*)

ليست كلُّ الحروبِ تُروى، بعضُها يُحفَظُ في طبقاتٍ خفيّةٍ من الشُّعور، حيثُ لا تعودُ الذاكرةُ سردًا، بل رجفةً مستمرّة. من هذا الأفق، قرأتُ كتاب «محفوظاتٍ عاطفيّةٍ لحربٍ في لبنان» (Mémoires affectives d'une guerre au Liban)  للشاعرةِ اللبنانيّةِ ناديا تويني، الصادرِ عن دارِ النهار – بيروت (مع الإشارةِ إلى أنّ بعضَ الطبعاتِ العربيّةِ توردُ العنوانَ بصيغة: «محفوظاتٍ عاطفيّةٍ من حربٍ في لبنان»). وكان في داخلي شعورٌ خفيفٌ بالحسرة، لا لأنّ الترجمةَ لا تفي النصَّ حقَّه، بل لأنّني كنتُ أتمنّى لو قرأتُه بلغتِه الأولى، بالفرنسيّة، تلك اللغةِ التي أعرفُ أنّ تويني كانت تُعيدُ فيها تشكيلَ التجربةِ الشُّعوريّةِ بكثافةٍ لا تتكرّرُ في النقل. ذلك أنّني قرأتُ لها دواوينَ أخرى بالفرنسيّة، بدت فيها الكلمةُ كأنّها تُولَدُ من منطقةٍ بين الألمِ والضياءِ، بين الذاكرةِ والارتجاف، حتى خيَّلَ إليَّ أنّها لا تكتبُ الشعرَ، بل تُقيمُ فيه.

في قراءتي الخاصّة، تبدو ناديا تويني أقربَ إلى شاعرةِ حالاتٍ وجوديّةٍ منها إلى شاعرةِ موضوعات. فهي لا تتعاملُ مع العالمِ بوصفِه مادّةَ وصف، بل بوصفِه جرحًا مفتوحًا على التأمّل. ولهذا، حين أعودُ إلى هذا الكتاب، لا أقرأُه كوثيقةٍ عن حرب لبنان، بل كوثيقةٍ عن الإنسانِ حين يُجبَرُ على العيشِ داخلَ انهيارٍ لا يملكُ تفسيرَه.

 

الأرشيفِ العاطفيِّ للنّجاة

هذا العملُ ليس سردًا تاريخيًّا للحربِ اللبنانيّة، ولا محاولةً لتسجيلِ أحداثِها كما يفعلُ المؤرّخُ أو الصحافيّ، بل هو ما يمكنُ تسميتُه بـ«الأرشيفِ العاطفيِّ للنّجاة». إنّه كتابٌ لا يحفظُ الوقائع، بل يحفظُ اهتزازَ الإنسانِ داخلَ الوقائع، حيثُ يتحوّلُ الخوفُ إلى إيقاعٍ يوميّ، وكأنّ المدينةَ نفسَها أصبحت جسدًا يتنفّسُ بصعوبةٍ تحت ضغطِ ما لا يُرى.

الحرب في هذا النصِّ ليست حدثًا خارجيًّا، بل مناخٌ داخليّ: تتسلّلُ إلى تفاصيلِ العيشِ اليوميّ، تتبدل معها علاقةُ الإنسانِ بالزمن، ويصبحُ الخوفُ جزءًا من الإيقاعِ العاديّ للحياة. لا نقرأُ الحربَ هنا كقصفٍ أو خطوطِ تماس، بل كحالةِ انكسارٍ مستمرّ في الإحساسِ بالأمان، كأنّ المدينةَ كلَّها تتحوّلُ إلى سؤالٍ مفتوحٍ بلا جواب.

ما يميّزُ هذا الكتابَ أنّ لغتَه لا تدّعي الإحاطة، بل تقتربُ من حدودِها القصوى. الجملةُ عند تويني ليست وسيلةَ شرح، بل أثرٌ شعوريٌّ مكثّف، كأنّها تُكتبُ في اللحظةِ التي تسبقُ الصمتَ أو تليه مباشرةً. هناك اقتصادٌ لغويٌّ شديد، لكنّه ليس فقرًا، بل امتلاءٌ مضغوط. الكلماتُ لا تُقالُ لتفسيرِ العالم، بل لتثبيتِ لحظةٍ شعوريّةٍ قبل أن تتلاشى.

وهنا، يمكنُ للقارئ—من منظور تأثري، وربما دون قصد مباشر من الكاتبة—أن يتلمّسَ صلةً خفيفةً بروحِ الكتابةِ عند أمين نخلة، رائدِ النثرِ الشعريِّ اللبنانيّ، من حيثُ ذلك الحسُّ البلاغيُّ الذي يرفعُ النثرَ إلى مرتبةِ التأمّل، حيثُ الجملةُ ليست تقريرًا بل ومضةً فكريّةً مشبعةً بالشعور. غيرَ أنّ الفرقَ الجوهريَّ أنّ نخلةَ كان يكتبُ في التجربةِ من موقعِ التأمّل، بينما تويني تكتبُ في التجربةِ من داخلِ الاحتراقِ نفسه، لا من مسافةٍ عنه.

أحدُ أكثرِ أبعادِ الكتابِ كثافةً هو تحوّلُ الوطنِ إلى صورةٍ جسديّة. لبنانُ هنا ليس مكانًا، بل كائنٌ حيٌّ يتألّم، يتشقّق، يتذكّر، وينهارُ بصمتٍ داخليّ. هذا التحويلُ من الجغرافيّ إلى الجسديّ ليس تزيينًا شعريًّا، بل رؤيةٌ وجوديّة: فالوطنُ لا يُدرَكُ كفكرةٍ سياسيّة، بل كجسدٍ يتلقّى أثرَ الزمنِ والعنفِ معًا.

الانهيار

 

في قلبِ هذا الانهيار، يبقى الحبُّ حاضرًا، لا كقوّةِ انتصار، بل كإصرارٍ هشٍّ على البقاءِ الإنسانيّ. إنّه ليس خلاصًا من الحرب، بل محاولةٌ لأن يبقى الإنسانُ قادرًا على الإحساسِ وسطَ العجزِ العام.

قيمةُ هذا الكتابِ لا تكمنُ في أنّه يصفُ حربَ لبنان، بل في أنّه يكشفُ كيف تتحوّلُ الحربُ إلى لغةٍ داخلَ النفس. فهو لا يشرحُ الحدث، بل يعرّي أثرَه الوجوديّ، ويطرحُ سؤالًا أعمقَ من السياسةِ والتاريخ: ماذا يبقى من الإنسانِ حين يصبحُ العنفُ جزءًا من يومِه العاديّ؟

ربما لا تُقرأُ هذه الصفحاتُ بوصفِها نصًّا عن حربٍ انتهت، بل بوصفِها محاولةً لفهمِ كيف تستمرُّ الحربُ داخلَ الذاكرة، حتى بعد أن تتوقّفَ في الواقع. إنّ ناديا تويني لا تكتبُ لتصفَ ما حدث، بل لتقولَ شيئًا أشدَّ قسوةً وصدقًا: أنّ الإنسانَ، حين يُدفَعُ إلى حافةِ الانهيار، لا يفقدُ لغتَه فقط، بل يُجبَرُ على اختراعِ لغةٍ أخرى من رمادِ التجربة—لغة لا تشبه ما قبلها، ولا تنجو منها تمامًا.

 

(*) كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيّ

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية