“مجانين” برخص سياقة يعبثون بالأمن المروري على الطرقات

تجاوزت حوادث المرور الأخيرة في المدن وخارجها، تصنيف “القضاء والقدر” لتتدحرج سريعا نحو خانة الجريمة الموصوفة، إذ لم يعد الأمر يتعلق بأخطاء تقديرية أو أعطال ميكانيكية، بل بسلوكيات عدوانية ومناورات استعراضية يقوم بها بعض سائقي مختلف المركبات ومستعملي الطرقات وسط التجمعات السكانية وبالطرق السريعة، مما يطرح تساؤلات حتمية حول غياب الردع الكافي وصياغة مفهوم جديد للأمن المروري يعيد للشارع سكينته وللمواطن حقه في الحياة.
إن تكييف القضية الأخيرة المتعلقة بدهس مواطن وقتله في العاصمة، كـ”جناية قتل عمدي” يمثل تحولا جذريا ومطلوبا في التعاطي القضائي مع مستهتري الطرقات، فالمركبة عندما تتحرك بسرعة جنونية وبمناورات خطيرة داخل حي سكني تصبح أداة قتل واضحة المعالم، وليست مجرد وسيلة نقل، هذا الحزم القضائي تفاعل معه الشارع بقوة، حيث يعبر أحد المواطنين عن هذا الوضع قائلا: “إن تصنيف هذه الحوادث كجنايات قتل عمدي هو الخطوة الصحيحة الوحيدة التي ستجعل أي سائق متهور يفكر ألف مرة قبل أن يضغط على دواسة السرعة وسط المدينة، فالغرامات المالية وسحب الرخص المؤقت لم يعد كافيا لردع من لا يملكون ضميرا ولا مسؤولية”.
الأزمة لا تتوقف عند حدود “مجانين” القيادة في الطرقات السريعة والمدن، بل تمتد إلى عمق المساحات المخصصة للمشاة، فلقد تحولت الأرصفة في الكثير من الأحياء إلى “شوارع ثانوية” تستبيحها السيارات والدراجات النارية، أو إلى حظائر عشوائية للتوقف، مما أجبر الراجلين، بمن فيهم الأطفال وكبار السن وذي الاحتياجات الخاصة، على النزول إلى قارعة الطريق ومواجهة خطر الموت دهسا، حيث يصف مواطن آخر هذه المعاناة اليومية بالقول: “لم نعد نأمن على أطفالنا حتى وهم يمشون فوق الرصيف، لقد انتُزعت منا هذه المساحة الآمنة وتحولت إلى مواقف للسيارات وطرق مختصرة لأصحاب الدراجات، حماية الراجلين تبدأ من استرجاع الرصيف بقوة القانون وبشكل صارم ومستمر، لا عبر حملات ظرفية ينتهي أثرها بعد أيام”.
وقد فرض هذا التحول السلوكي الخطير واقعا رقابيا جديدا برز فيه دور التكنولوجيا كأداة ردع حاسمة، حيث تحول “المواطن الرقيب” إلى شريك أساسي في المنظومة الأمنية من خلال توثيق المخالفات والمناورات الاستعراضية بهواتفهم المحمولة وكاميرات السيارات، هذا التوثيق الفوري نقل منصات التواصل الاجتماعي من فضاء للترفيه الافتراضي إلى أدوات ضغط رأي عام ومصدر دعم لوجستي فوري للأجهزة الأمنية، والتي باتت تستغل هذه المقاطع لتحديد هويات المخالفين وتوقيفهم في مدد زمنية قياسية، ومع ذلك، لا يمكن إلقاء عبء الرقابة على عاتق المواطن وحده، بل أضحى من الواجب والضرورة الإستراتيجية تعميم شبكات كاميرات المراقبة الذكية التابعة للمصالح الأمنية عبر كافة الشوارع الرئيسية، التقاطعات، والأحياء السكنية، لضمان تغطية رقمية شاملة ومستمرة لا تترك أي مساحة للإفلات من العقاب.
ويؤكد هذا الواقع أن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد الرادارات أو تكثيف الحواجز الأمنية، بل في إقرار منظومة ردع شاملة وغير متسامحة تشمل مصادرة المركبات، وتشديد العقوبات، وتفعيل الرقابة الرقمية، إذ إن هيبة القانون في الشارع هي الضمانة الوحيدة لوقف هذا النزيف اليومي، وإعادة الانضباط إلى شبكة الطرقات التي تحولت لدى البعض إلى ساحات لتفريغ السلوكيات الإجرامية على حساب أرواح الأبرياء، وأمام هذا الانفلات السلوكي غير المبرر، ألم يحن الأوان لإعادة النظر في شروط الكفاءة العقليّة والنفسية للسائقين، وإدراج شهادة الفحص النفساني كوثيقة إجبارية أساسية ضمن ملفات الحصول على رخصة السياقة؟
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post “مجانين” برخص سياقة يعبثون بالأمن المروري على الطرقات appeared first on الشروق أونلاين.