متى يأتي جيل السلام؟... الإعلام ومعركة الوعي في الشرق الأوسط
لم تعد المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط مجرد صراع على الحدود أو النفوذ، بل أصبحت معركة على وعي الأجيال القادمة. فالمنطقة التي أنهكتها الحروب والانقسامات لعقود طويلة تقف اليوم أمام سؤال مصيري: هل تستطيع صناعة "جيل السلام" القادر على بناء المستقبل، أم ستبقى أسيرة الإيديولوجيات التي تعيش على الصراع واستدعاء الماضي؟
في أكثر من نموذج في المنطقة، لا تزال بعض الأنظمة والتنظيمات السياسية تعتمد على إبقاء المجتمعات في حالة تعبئة دائمة عبر استحضار معارك تاريخية وربط الأجيال الحالية بها كأنها معاركها الشخصية.

نماذج...
يبرز هنا نموذج نظام الملالي في إيران الذي بنى جزءاً من خطابه السياسي على إعادة إنتاج الصراعات التاريخية وتحويلها إلى أداة تعبئة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود إيران نفسها.
وفي الاتجاه ذاته، لعبت جماعة الإخوان المسلمين دوراً في تكريس فكرة الصراع الدائم مع الدولة الوطنية الحديثة، عبر خطاب يقوم على الاستقطاب وتقسيم المجتمعات وإضعاف الثقة بالدولة الوطنية.
هذه المشاريع الفكرية والسياسية ساهمت خلال العقود الأخيرة في تغذية الانقسامات الطائفية والسياسية والفكرية، وأدخلت المنطقة في دوامة طويلة من العنف وعدم الاستقرار، التي دفعت ثمنها الشعوب والأجيال الجديدة، التي وجدت نفسها محاصرة بإرث ثقيل من الخوف والكراهية والانقسام.
تبدلت طرق التفكير
لكن اللافت أن الجيل الجديد في العالم العربي لم يعد يفكّر بالطريقة نفسها التي كانت تفكر بها الأجيال السابقة. فالشباب اليوم يعيش في عالم مفتوح يرى فيه نماذج النجاح والابتكار والتكنولوجيا الحديثة، ويبحث عن فرص العمل والاستقرار وجودة الحياة أكثر من اهتمامه بالشعارات الإيديولوجية القديمة.
وهنا تظهر أهمية "معركة الوعي" باعتبارها أخطر معارك المرحلة المقبلة، لأنها المعركة التي ستحدّد كيف سيفكّر الجيل الجديد، وكيف سيرى العالم من حوله. وفي هذا السياق، يبرز الإعلام الاستراتيجي كأحد أهم أدوات بناء الوعي والاستقرار، بعدما تحوّل الإعلام من مجرد ناقل للأخبار إلى شريك رئيسي في تشكيل العقول والسرديات العامة.
الإعلام الاستراتيجي لا يكتفي بتغطية الأزمات، بل يعمل على بناء سردية مستقبلية تعزّز قيم التنمية والتعايش والانتماء الوطني والثقة بالمجتمع والدولة. كما أن خطورته تكمن أيضاً في قدرته على مواجهة خطاب الكراهية والتطرف والتضليل، خصوصاً في ظل الفضاء الرقمي المفتوح الذي تستغله بعض الجهات لبث الانقسام وإعادة تدوير الأزمات التاريخية.
التنمية والابتكار
إن صناعة جيل السلام لا تعني التخلي عن الهوية أو القيم أو القدرة على حماية الأوطان، بل تعني بناء إنسان واثق بنفسه، يؤمن بأن قوة الدول الحديثة تُقاس بقدرتها على التنمية والابتكار والاستقرار، وليس فقط بالصوت المرتفع والخطاب العدائي.
ولهذا، فإن العالم العربي بحاجة إلى استثمار حقيقي في التعليم الحديث والتفكير النقدي، وبناء إعلام مسؤول يركّز على المستقبل، إلى جانب تطوير خطاب ديني وثقافي معتدل وخلق فرص اقتصادية تمنح الشباب الأمل وتحميهم من الوقوع في دوائر التطرف والفوضى.
لقد أثبتت التجارب أن مستقبل المنطقة لن يُصنع بإحياء صراعات الماضي، بل ببناء وعي جديد يضع الإنسان والتنمية والاستقرار في مقدمة الأولويات. فجيل السلام يبدأ من مدرسة واعية، وإعلام مسؤول، وخطاب يعزز الأمل بدلاً من الخوف. واليوم، تبدو الفرصة متاحة أمام العالم العربي ليختار طريق المستقبل بثقة، وليمنح الأجيال القادمة حقها في حياة أكثر أمناً وازدهاراً واستقراراً.