متلازمة الإرهاب والانفصال .. سياقات لفهم ما جرى في الهجوم على مالي

‏ما حدث في مالي من هجمات منسقة بين حركة أزواد الانفصالية من جهة والمنظمات الإرهابية المسماة “جماعة أنصار الدين” بزعامة إياد اغ غالي، التي تنشط في “كيدال” شمال مالي، و”حركة ماسينا” بزعامة بول أمادو كوفا التي تنشط بمنطقة “الفلان” وسط مالي من جهة ثانية، يؤكد حقيقة تحالف الانفصال والإرهاب في منطقة الساحل؛ وهي المخاطر التي نبه إليها المغرب في تصريحات رسمية داخل المؤسسات الدولية ولدى الاتحاد الإفريقي.

لقد سبق للمغرب، عبر دبلوماسيته، أن حذر من الروابط الموضوعية بين الإرهاب والانفصال في إفريقيا، ونقل المخاوف في اجتماع وزاري للتحالف الدولي ضد “داعش” بشأن تواطؤ هذا التحالف ضد استقرار وسيادة الدول، مستفيدا من تكامل الأدوات المالية والعملياتية في تنشيط التقارب بين الإرهاب والانفصال، من جهة، ووقوف جهات ودول وراء هذا التحالف تمويلا وإيواءً وتسليحا، من جهة أخرى.

وبالنتيجة تزايدت المؤشرات عن تحول الأفراد من الحركات الانفصالية إلى الجماعات الإرهابية. هذا التحول حذرت منه المملكة ودعت إلى وضع إستراتيجيات وطنية وإقليمية تجعل مواجهة الانفصال مقدمة استباقية لمحاربة الإرهاب، بالنظر إلى ما تحدثه الهشاشة الأمنية ومشاكل السيادة من طموحات انفصالية تشكل سلاسل توريد مالي وعسكري للجماعات المتطرفة، إذ لم تعد ارتباطات جبهة بوليساريو بالتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء الكبرى النموذج الوحيد لهذا التحالف بين الانفصال والإرهاب.

يحمل سيناريو الهجوم الانفصالي الإرهابي على دولة مالي عناصر مفسرة ودالة على وجود هذا التحالف أولا، كما يفضح كيف جعلت بعض الجهات والدول، مثل الجزائر، من الانفصال والإرهاب في المنطقة أداة للضغط الجيو سياسي على دول الساحل والمنطقة برمتها، إذ لم يقتصر الأمر على مناوشاتها المغرب، بل تطور الأمر إلى استهداف دول الطوق في الساحل التي تعاني من استخدام الإرهاب كورقة ضغط على الأنظمة والمس باستقرارها.

إن فهم ما جرى في مالي من هجوم منسق بين الحركات الانفصالية والإرهابية يقتضي استحضار مجموعة من المؤشرات التحليلية، على ضوء خطورة التحولات الجارية غير بعيد عن المجال الأمني الحيوي للمغرب:

أولا، يؤكد هذا الهجوم أن التقديرات الأمنية للمملكة كانت صائبة ومبنية على معطيات استخباراتية تم تجمعيها من الميدان أو استنادا إلى التنسيق الأمني مع دول الساحل، بوركينافاسو ومالي والنيجر، الذي أظهر كيف أن متلازمة الانفصال والإرهاب حقيقية ميدانية وتهديدات ناشئة.

ثانيا، يتوضح أكثر كيف أن هذه المتلازمة باتت أكبر تهديد يواجه إفريقيا، بالنظر إلى ارتدادات الهجوم في مالي حاليا، على دول بوركينافاسو والنيجر ودول أخرى في غرب إفريقيا، مثل بنين وتوغو وصولا إلى خليج غينيا، حيث تنشط جماعات متطرفة مترابطة في ما بينها بولاءات تتأرجح بين “القاعدة” و”تنظيم داعش”.

ثالثا، ترعى الجزائر علاقات قوية بين الجماعات المتطرفة والمجموعات الانفصالية في الساحل الإفريقي، حيث تسعى هذه المجموعات إلى إحداث حالة من التوحش والفوضى للمس بالوحدة الترابية للدول. وقد وظف النظام العسكري الجزائري “اتفاقيات الجزائر” لسنة 2015 بين الحكومة المالية والحركة الانفصالية “أزواد” لهذا الغرض؛ وهي الاتفاقية التي أبقت على منطقة شمال مالي خارج التغطية الأمنية والعسكرية للدولة، ما شجع عن تنامي الجماعات المتطرفة هناك وانتهى بها المطاف إلى التحالف مع الانفصال… الاتفاقيات نفسها التي ألغت الحكومة العسكرية الحالية في مالي العمل بها وبدأت استعادة السيطرة على المناطق “دون الدولة”.

رابعا، مباشرة بعد الهجوم الإرهابي الانفصالي على مالي في الشمال، حيث تستقر “جماعة أنصار الدين”، وفي الوسط، حيث نشاط “جماعة ماسينا” بتحالف عسكري مع الحركة الانفصالية للأزواد، بدأ الحديث في الإعلام الجزائري المقرب من العسكر عن وجود بديل لقيادة حكومة انتقالية في مالي، ويتعلق الأمر بالمدعو “محمود ديكو”، المقيم في الجزائر منذ 2023، الذي تسبب استقباله من قبل الرئيس الجزائري في أزمة دبلوماسية بين الجزائر وباماكو انتهت داخل أروقة الأمم المتحدة باتهام الجزائر بدعم الإرهاب في مالي.

خامسا، ترشيح شخصية خلافية مثل “محمد ديكو” يؤكد أن النظام العسكري في الجزائر يستخدم الحركات الانفصالية كأدوات ضغط جيوسياسي على دول المنطقة، وهو الأسلوب نفسه الذي جرّبه طيلة أكثر من أربعين سنة ضد المغرب بإنشاء وتمويل وتسليح جبهة بوليساريو الانفصالية.

سادسا، لا يمكن فصل “تحريك” هذه الجماعات الإرهابية والانفصالية من قبل الجزائر، في هذا التوقيت، عن سيناريو اعتراف مالي بمغربية الصحراء واكتمال عقد دول الساحل التي تدعم مقترح الحكم الذاتي على أساس السيادة المغربية، كما أنه يبعث رسالة تهديد خاطئة لمساعي مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة الأمريكية التي تحركت لتفكيك مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، ومراجعة مهام بعثة مينورسو في أفق حل نهائي لنزاع الصحراء على أساس مقترح الحكم الذاتي.

إن أكبر خطر يواجه المنطقة برمتها بعد الهجوم على مالي كون هذا التحالف المعد مسبقا بين الإرهاب والانفصال، برعاية عسكرية وسياسية جزائرية، مرشح للتمدد ويفتح الطريق أمام تنشيط جماعات متطرفة في المثلث الحدودي بين النيجر وبوركينافاسو ومالي، كما أنه يمكن أن ينقل حالة “التوحش” إلى بلدان غرب إفريقيا الآمنة، في حال لم تفعل دول الساحل تحديدا الاستجابة العسكرية والأمنية الجماعية لمواجهة هذا التمدد، علما أن جزءا من المنظمات الإرهابية التي تحالفت اليوم مع الانفصال كانت أعلنت منذ شهر مارس من العام 2017 عن تنسيق ميداني في ما بينها، يشمل أربع حركات “جهادية” تنشط في منطقة الساحل الإفريقي تحت يافطة تنظيم يدعى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”. التحالف ضم تنظيم “إمارة الصحراء” لـ”يحيى أبو الهمام”، و”جماعة أنصار الدين” التي تتحرك في مالي بقيادة “أغ غالي”، و”المرابطون” للراحل “مختار بلمختار”، و”كتائب ماسينا”، وهو مؤشر على أن ما حدث في مالي له ارتدادات تكشف وجود تنسيقات تكتيكية بين فصائل تنتمي إلى تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، ولا سيما في المجالات اللوجيستية وشبكات التهريب العابر للحدود، ما يؤخر جهود مهام التفكيك الأمني والاستخباراتي لهذه البنية.

أستاذ بجامعة محمد الخامس – الرباط

The post متلازمة الإرهاب والانفصال .. سياقات لفهم ما جرى في الهجوم على مالي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress