ماذا لو اختفى بوعشرين ولم تختفِ خطايا “الصباح”؟
من دون مناسبة ظاهرة أو حدث يبرر أسباب النزول، قامت جريدة “الصباح“، زوال يوم السبت، ببث فيديو، لا تتجاوز مدته دقيقتين، على صفحتها الرسمية، صيغ بنبرة تشهيرية فجة أسهبت في جلد صاحب بودكاست “كلام في السياسة“، الصحافي توفيق بوعشرين، الذي سيتم في 29 يوليوز المقبل سنته الثانية في الحرية، تحت عنوان لا يخلو من وداعة الذئاب: «متى يختفي بوعشرين؟».
والحقيقة أن الجهة التي هندست هذا المحتوى، الذي قد يبدو للوهلة الأولى اعتباطياً ومعزولاً، لم تخطئ في اختيار توقيت بثه، ونحن على بعد عشرة أيام فقط من احتفالات عيد العرش؛ ذلك أن أعداء الانفراج السياسي والحقوقي تفرغوا، منذ قرار الملك محمد السادس الإفراج عن الصحافيين الثلاثة سنة 2024، لشيطنة هؤلاء الصحافيين ومهاجمتهم بعنف واستماتة غير مسبوقين في تاريخ المغرب، وكأنهم يبعثون برسالة مشفرة إلى أعلى سلطة في البلاد مفادها: “يا جلالة الملك، لقد أخطأت، وما كان عليك أبداً أن تفرج عن هؤلاء الصحافيين!”.
ولأنني لم أجد أي خيط ناظم يبرر هذا الهجوم الكاسح من جريدة ورقية كبيرة على صحافي لم يعد يملك من خطوط الإمداد سوى قناة صغيرة على “يوتيوب“، قمت بالاطلاع على أعداد الجريدة الصادرة هذا الأسبوع، لأكتشف أن الفيديو المنشور على صفحتها الرسمية لم يكن، في النهاية، سوى إعادة تدوير لمقال صدر قبل أربعة أيام في صفحاتها المطبوعة ضمن ركن «عندي ما يگال». ومعنى ذلك أنه، بعدما تبين لأصحاب “الصباح” أن المقال وُلد ميتاً ولم يلتفت إليه أحد، تماماً كما هو شأن جل المقالات التي تُدفن يومياً بين صفحاتهم، اهتدوا، بعدما تفتق ذهنهم التحريري، إلى تحويله إلى فيديو تشهيري بالدارجة المبسطة؛ لعل “قرطاسة” الدارجة تصيب هذه المرة ما أخطأته فصحى المقال الذي لم يقرأه أحد، ويختفي بوعشرين إلى الأبد.
لكنني، في مسعاي إلى فهم سبب هذا السعار الذي أصاب “الصباح“، التي تعتبر اليوم من آخر الصحف “المستقلة” الصامدة في الأكشاك، تذكرت أن مدير “أخبار اليوم“، التي لم يُكتب لها عمر مديد كشقيقتها الصفراء، كان سباقاً إلى استفزاز أركان القيادة العامة للجريدة، بعدما تجرأ على التفاعل مع مضمون افتتاحية سريالية لمدير نشرها ورئيس تحريرها متعدد التخصصات، زعمت، بجدية مثيرة للشفقة، حدوث مؤامرة كونية في مباراة ربع نهائي كأس العالم التي انتهت بإقصاء المنتخب المغربي من منافسات البطولة.
لم يسبق لي أن عرفت جريدة في العالم تتخصص في تعقب صحافي آخر، ونهش عرضه، والتشهير به، عوض أن تنشغل بالبحث عن الأخبار والمعلومات وانتقاد المسؤولين، حتى وجدتها عندنا هنا في المغرب؛ حيث نتوفر على جرائد ومواقع تتفرغ لتخصيص حيز مهم من مساحاتها، وتسخير جزء كبير من قدراتها التحريرية، لأكل لحوم زملائهم من الصحافيين الذين لا يروقهم خطهم التحريري، عوض مناقشتهم في أفكارهم ونظرياتهم ومواقفهم. وهذا بالضبط ما فعلته جريدة “الصباح“، التي، عوض أن تناقش صاحب “كلام في السياسة” وترد عليه في إطار التدافع الإعلامي المشروع، فضلت أن تتمرغ في المستنقعات الآسنة بأسلوب يبعث على الاشمئزاز ويثير الرغبة في القيء.
ليس الهدف من هذا المقال الترافع عن توفيق بوعشرين، الذي يتوفر على كل ما يحتاجه للدفاع عن نفسه والوقوف في وجه هذه الآلة، بل إن ما استفزني، ولا يزال يستفزني، وأنا أتابع مسلسل التشهير الذي يتعرض له هو ومجموعة من الصحافيين منذ أزيد من سبع سنوات، هو الانفصام التحريري الذي تتعامل به هذه المنابر المتخصصة في الصناعة التشهيرية مع باقي الصحافيين وصناع الرأي في المغرب. فإذا كان بوعشرين، الذي أمضى سبع سنوات من أصل خمس عشرة سنة أُدين بها، قبل أن يستفيد من عفو ملكي، يستحق كل هذا المجهود التشهيري بذريعة الدفاع عن حقوق ضحاياه، فما الذي كان يمنع، يا ترى، المنابر نفسها من الهجوم على صحافي آخر غادرنا إلى دار البقاء قبل أسبوعين، سبق أن أمضى اثنتي عشرة سنة من أصل عشرين سنة أُدين بها، بعدما قطّع زوجته إرباً ودفنها في شبه حديقة شقته، قبل أن يستفيد من عفو ملكي سنة 2001 ويعود مباشرة إلى معانقة ميكروفون إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية؟
إن أخطر رسالة تبعثها هذه الجرائد والمواقع، التي اتخذت التشهير خطاً لها، وتوزيع صكوك الوطنية عملاً لها، هي أن الإفراج عن توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي، الذين جرى اعتقالهم في سياق وظروف وملابسات لا داعي للتوسع فيها هنا، كان خطأً جسيماً لا يحتمل النسيان، وأن العفو عنهم لم يكن أبداً قراراً صائباً؛ ما يجعل الرأي العام وباقي المتلقين، بفعل الاجترار اليومي للأسطوانة نفسها، يطرحون سؤالاً واحداً: ما دام الأمر كذلك، فلماذا إذن أصدر الملك عفوه عن هؤلاء؟
لقد تابعنا، مباشرة بعد الإعلان عن توقيف الصحافي علي المرابط الأسبوع الماضي، كيف انبرى جزء من هذه الصحافة إلى “تغراق شقف” الرجل والانتشاء بوقوعه في قبضة الأمن، لا لشيء سوى أنه كان يعبر عن مواقفه وآرائه بحرية لم يستسغها مخالفوه؛ وكيف نزل خبر إخلاء سبيله، بعد ثلاثة أيام، كحمام بارد على رؤوس أولئك الذين سارعوا إلى دفنه حياً، تاركاً هيئات تحريرهم في حالة ذهول وإحباط، وكأنهم حرموا من صيد ثمين كانوا يتأهبون لنهش لحمه على مدى سنوات طويلة. وهي خيبة تؤكد أن هؤلاء، رغم زعم بعضهم القرب من رجالات الدولة والجلوس إلى موائدهم، لم يفهموا شيئاً في منطقها وحساباتها وتقديراتها العليا، وظلوا مجرد أدوات ملحقة تعيش على الهامش، تقتات على تجارة الوشاية وبيع الأوهام للمغاربة.
تحضرني هنا واقعة كثيراً ما تُروى في أوساط الصحافيين، وإن ظلت تفاصيلها غير مؤكدة؛ فحين امتنعت مطبعة “الصباح” و“ليكونوميست“، في مارس 1999، عن طبع أسبوعية “لوجورنال” بسبب جرأة أغلفتها، واضطر مؤسسوها إلى نقل طباعتها إلى فرنسا، يُحكى أن الملك الراحل الحسن الثاني، بعدما بلغه الخبر، أوفد أحد مستشاريه حاملاً دعماً مالياً استثنائياً لتمكين الجريدة من اقتناء مطبعة خاصة بها. وتذهب هذه الرواية إلى أن الأمر لم يكن نابعاً من حرص على حرية الصحافة في حد ذاتها، بقدر ما كان مرتبطاً بالرغبة في استمرار تجربة “لوجورنال” ضمن هامش الانفتاح السياسي النسبي الذي كان قد أطلقه آنذاك، بما يخدم أجواء الانتقال الهادئ للحكم. ومن هذه الزاوية، تبدو “الصباح” وكأنها اختارت، منذ البداية، الوقوف في الجانب الخاطئ من التاريخ.