ماذا قصد بري بدعوة الحكم إلى "تسوية"؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

قبل أيام أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفا لافتا، عندما دعا إلى "تسوية" لإنهاء الانقسام الوطني الحاصل حول الاتفاق الإطاري الحديث الولادة.

 

لكن اللافت أن المقصودين بالدعوة تلك، والذين تعمد سيد عين التينة ألا يسميهم بالاسم، لم يعلّقوا، بل اعتصموا بالصمت، فمرّ الأمر مرور الكرام، وهو ما عنى للراصدين أن هؤلاء المعنيين ما زالوا عند أحد احتمالين:
الأول أنهم ما زالوا يرفضون التراجع عما بدأوه، ويأبون المساومة عليه، وهم مستمرون في الدفاع عنه إلى أن يقضي الله أمرا.

 

الثاني أنهم ما زالوا يراهنون على الوقت لتحسين شروطهم إذا ما قرروا فعلا الجنوح في نهاية المطاف إلى التسوية.

 

ليس خافيا أن بري ما أطلق دعوته تلك إلا بعد حملة الاعتراض التي قادها في وجه الاتفاق، والتي عمل على تنويعها لكنها بقيت عالية النبرة، مبدّدا رهانات البعض على أن اعتراضه على الاتفاق سيكون مختلفا عن اعتراض "حزب الله"، وأنه سيأتي حين من الدهر يتعامل معه على أنه أمر واقع.

 

بمعنى آخر، كان هؤلاء المراهنون يتجاهلون عمدا كل الإشارات والرسائل التي بعث بها بري، وحذر فيها بناء على تجارب عديدة في التفاوض مع الإسرائيلي، من مغبة التفاوض المباشر مع الإسرائيلي، وكان ينبه إلى أن النتيجة ستكون ضد مصلحة لبنان، لذا كانت ردة فعله الأولى إطلاق تحذيره الشهير من الفتنة التي هي السمة الأولى للاتفاق.

 

وبحسب مقربين من عين التينة، فإن بري انتظر:
- إلى أن رأى الرئاسة الأولى وهي تستدعي الوفود إلى قصر بعبدا لتتلو على مسامع أعضائها "دفاعات ودوافع" للمضي بالتفاوض وقبول صيغة الاتفاق، وهو ما كان إشارة على أن اقتناع هذه الرئاسة بالاتفاق وجدواه قد بدأ يتخلخل.

- انتظر أيضا سماع الرئاسة وهي تقر بأن الاتفاق ليس مثاليا وأنه ينطوي على ثُغَر، لكنه كان اتفاق الضرورة الذي لا بديل منه.

- كذلك انتظر حتى قرأ تصريحات نواب وزعماء رأي وخبراء وقانونيين، وهم يبيّنون الثغر التي انطوى عليها الاتفاق ويستنتجون أنه يميل تماما لمصلحة إسرائيل ويفرض على لبنان التزامات مرهقة.

لذا كان أمام بري فرصة لإطلاق دعوته الجادة إلى "التسوية".

وإذا كان رئيس المجلس قد عرف، وفق المحيطين به، كيف يختار الوقت الملائم لإطلاق دعوته تلك، فإن السؤال المطروح: هل لديه تصورات جاهزة ومجدية لشكل تلك التسوية التي يلح في الدعوة إليها؟ واستطرادا، هل لديه من المعطيات أن متبنّي الاتفاق لديهم من الاستعداد الكافي للتراجع وإعادة النظر في ما سعوا إليه جاهدين، واعتبروا أن الفرصة مؤاتية للسير به؟


لا مقومات للتنفيذ
الذين قدّر لهم الاجتماع ببري أخيرا سمعوا منه ما مفاده أنه بعدما قرأ بتمعن مضامين الاتفاق الثلاثي، لم يجد حاجة إلى بذل جهد استثنائي لمواجهته من خلال استيلاد جبهة سياسية لإسقاطه على غرار ما جرى غداة إقرار اتفاق 17 أيار الذي يعدّ الاتفاق الوليد أسوأ منه بمرات، والسبب الجوهري هو أن هذا الاتفاق لا يملك مقومات التنفيذ بناء على اعتبارات عدة يختصرها بري بجملة أنه "غير متوازن"، ومع ذلك فإن المحيطين به يقولون إنهم لم يحصلوا منه بعد على "كلمة السر" والقطبة المخفية التي تقف وراء دعوته تلك، لكنهم استشفوا من فحوى التصريح الذي ضمّنه دعوته أن هناك ثلاثة خطوط عريضة للتسوية التي يدعو إليها، هي: 

 

- العودة إلى الأخذ بصيغة اتفاق أبرمه مع الرئيس جوزف عون قبيل إقرار الاتفاق، وهو اعتماد الأقضية بدل المناطق التجريبية ميدانا للانسحاب الإسرائيلي، على أن يكون ضمن جدول زمني محدد، لأن صيغة المناطق التجريبية وفق ما تروج له إسرائيل، مطاطة، خصوصا أنها تقترن بتعبير "إعادة الانتشار" الذي يعلم الجميع أنه تعبير عسكري لا يعني ضمان الانسحاب.

- الإقرار بالحاجة الملحة إلى "مظلة إقليمية" تحمي أيّ اتفاق وتضمن إنفاذه، على أن تشارك فيها إيران والسعودية.

- الحاجة إلى موقف وطني موحد يسند الاتفاق ويضمن تنفيذه.

 

اختصارا، ما زال بري الذي رفض الاحتكم إلى الشارع كما رفض العمل لإسقاط الحكومة، ينتظر ردا جديا وعاجلا على دعوته تلك ليبني على الشيء مقتضاه، ويثبت الجميع صدق قولهم إنهم يسعون إلى إنقاذ الجنوب ولبنان.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية