ماجدولين: "الكتابة النسوية" اختزال ضيق .. والمثقف لم يعد "ضمير الأمة"
لا تمثل الكتابة باباً نطرقه حين نطمئن، فهي أقرب إلى هاوية نقترب منها ونحن نرتجف، نختبر قدرتنا على السقوط دون أن ننكسر تماماً، إذ تبدأ برعشة خفيفة في الداخل، بشيء يشبه النداء أو الإنكار معاً، يدفعنا إلى الإمساك بالكلمات كما لو كانت حبلاً رفيعاً فوق فراغ واسع، نكتب لأن شيئاً فينا يرفض أن يُترك دون صوت، ومع ذلك نشك في جدوى هذا الصوت، بين محاولة للنجاة وحيلة مؤقتة لتأجيل مواجهة الصمت
في هذا الأفق، كما يظهر في حوار الشاعرة والروائية المغربية ثريا ماجدولين مع جريدة هسبريس، لا تبدو الكتابة مساراً نحو يقين، بل حركة داخل منطقة ملتبسة تُعمّق الأسئلة بدل أن تُنهيها، حيث تتحول إلى إقامة في القلق واختيار للبقاء داخل التوتر، بينما تتسلل الأسئلة حول معنى الكتابة في عالم لا ينتظر النصوص، وحول قدرة اللغة على قول ما نعجز عن عيشه، في زمن تُستهلك فيه الكلمات بسرعة، فتغدو الكتابة محاولة للإمساك بما يتفلّت، لا وعداً بالخلاص، بل طريقة لتأجيل السقوط ومنع السؤال من أن يموت في الصمت
نص الحوار
في مسارك الإبداعي تبدين وكأنك تكتبين دائماً من منطقة التوتر والبحث، لا من منطقة اليقين. حين ننظر إلى تجربتك الشعرية والروائية نكتشف صوتاً يغامر في مساءلة الذات والعالم في آن واحد. هل جاءت الكتابة في حياتك باعتبارها خلاصاً شخصياً من أسئلة الوجود، أم أنها كانت منذ البداية مشروعاً فكرياً لمساءلة الواقع المغربي والإنساني؟ وأين تجدين نفسك اليوم داخل هذا المسار الطويل بين القلق الجمالي والرهان الفكري؟
في بداياتي لم أفكر في مشروع فكري بالمعنى الممنهج. كنت أكتب لأن شيئا في داخلي كان يرفض الصمت. كانت الكتابة محاولة لفهم الذات أولا. لكن كل محاولة صادقة لفهم الذات تنفتح بالضرورة على العالم. فحين نحفر عميقا في الداخل نصل إلى طبقات مشتركة: الخوف، السلطة، الذاكرة، الجسد، الحب، الخيبة، التاريخ… وهنا يتحول السؤال الشخصي إلى سؤال جماعي. فكانت الكتابة تعبيرا عن قلق ما. لم أكتب يوما من منطقة اليقين، بل كانت الكتابة وما تزال محاولة لعبور المسافة بين ما أعيشه وما أريده.
مع الوقت، أدركت أن الكتابة لا تنقذني من أسئلة الوجود، لكنها تمنعها من التحول إلى صمت قاتل. ولذلك لم تكن بالنسبة لي مخرجا من التوتر، بل طريقة لإعطائه شكلا جماليا. لهذا، ربما، يبدو صوتي دائما في حالة بحث. لأنني لا أؤمن بنقطة الوصول، بل بما يكشفه الطريق ونحن نسير فيه.
أما عن مساءلة الواقع المغربي والإنساني، فهذا ليس أمرا خارجيا. الواقع يسكن اللغة نفسها. إذ لا يمكن للكاتب أن يكتب عن ذاته دون أن يكتب عن زمنه. فنحن أبناء سياقاتنا، حتى عندما نظن أننا نكتب عن أكثر مناطقنا حميمية. والقلق الجمالي بالنسبة لي ليس منفصلا عن الرهان الفكري، لأنّ الشكل هو جزء من الموقف، والطريقة التي نحكي بها هي أيضا موقف من العالم.
اليوم، بعد هذا المسار الطويل، أجد نفسي في منطقة أكثر هدوءاً على مستوى الخارج، لكن أكثر تعقيدا في الداخل. لم تعد الكتابة محاولة للبرهنة بقدر ما أصبحت محاولة للإنصات. ولم أعد أبحث عن أجوبة نهائية، بل عن أسئلة أدق. وربما هذه هي محطة الوصول: أن نقلق بطريقة أعمق، ولكن أقلّ صخبا.
كثير من المتابعين يلاحظون أنك انتقلت من الشعر إلى الرواية كما لو أنك تعبرين من ضفة لغوية مكثفة إلى فضاء حكائي أكثر اتساعاً. هل كان هذا الانتقال اختياراً واعياً فرضته حاجتك إلى سرد العالم، أم أنه كان نتيجة شعور بأن الشعر لم يعد قادراً وحده على احتواء الأسئلة التي تسكنك؟ وهل تعتقدين أن الرواية تمنح الكاتب سلطة أوسع على الزمن والذاكرة والواقع؟
لم يكن انتقالي من الشعر إلى الرواية قفزة من ضفّة إلى أخرى، بل كان اتساعا في النهر نفسه. الشعر هو بيتي الأول، وهو اللغة التي تعلّمت بها الإصغاء إلى العالم من الداخل. وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أكتب جملة سردية دون أن أسمع إيقاعها أولا. لكنه بطبيعته يشتغل على اللحظة المكثّفة، على الوميض، على الجملة التي تختزل تجربة كاملة في إيقاع واحد.
وفي مرحلة ما بدأت أشعر أن بعض الأسئلة التي تسكنني لم تعد تقبل هذا التكثيف وحده. كانت تحتاج إلى زمن أطول كي تتنفس، إلى شخصيات تتحرك، إلى سياقات اجتماعية وتاريخية تتقاطع وتتعارض. بعض الأسئلة شعرية في جوهرها، وبعضها سردي، يحتاج إلى مسار، إلى تحوّل، إلى تدرّج في الكشف. والرواية منحتني هذه المساحة للحوار مع الزمن. في الشعر يكون الزمن غالبا لحظة متوهجة، أمّا في الرواية، فهو مادة قابلة للتشكيل: يمكن تفكيكه، العودة إليه، القفز فوقه، إعادة تركيبه. كذلك الذاكرة: في الشعر هي أثر مكثّف، وفي الرواية هي بنية كاملة، شبكة علاقات، طبقات من السرد.
لكنني لا أؤمن بفكرة “السلطة” بالمعنى التقليدي. الرواية لا تمنح الكاتب سلطة بقدر ما تضعه أمام مسؤولية أعقد. هي فضاء أوسع، نعم، لكنها أيضا أكثر هشاشة. في الشعر يمكننا الاختباء خلف المجاز، لكن في الرواية علينا أن نواجه العالم بكل تناقضاته، وأن نمنح للشخصيات استقلالها، حتى لو تمردت علينا.
لذلك أعتبر أنني لم أترك الشعر، بل حملته معي إلى الرواية. الحساسية الشعرية ما زالت تسكن جملتي السردية، في الإيقاع، في الصورة، في الصمت بين السطور. وإذا بدا أنني انتقلت من التكثيف إلى الاتساع، فذلك لأن أسئلتي نفسها اتسعت، لا لأنني بدّلت جلدي.
يقال إن الكتابة النسوية في العالم العربي ما تزال محاصرة بين صورتين متناقضتين : صورة الضحية وصورة المتمردة. في أعمالك تبدو المرأة أكثر تعقيداً من هذين النموذجين. كيف تنظرين إلى مفهوم “الكتابة النسوية” اليوم؟ وهل ترين أنه مفهوم تحرري يمنح المرأة صوتها الخاص، أم أنه في بعض الأحيان يتحول إلى تصنيف ضيق قد يحاصر التجربة الإبداعية بدل أن يحررها؟
أتحفّظ قليلا على التصنيفات الجاهزة، ومنها عبارة “الكتابة النسوية” حين تُختزل في إطار ضيق. بالنسبة لي، لا توجد كتابة نسوية بالمعنى الشعاري، بل توجد كتابة صادقة تنطلق من تجربة معينة، وتجربة المرأة في مجتمعاتنا ليست هامشا، بل هي مركز أسئلة معقّدة حول الجسد، والسلطة، واللغة، والذاكرة.
الثنائية التي ذكرتَها: “الضحية أو المتمردة”، هي في رأيي توصيف مريح. المرأة في الواقع أكثر التباسا من ذلك. هي قد تكون قوية وضعيفة في اللحظة نفسها، واعية ومخدوعة، فاعلة ومقيّدة. ما يهمني في الكتابة هو هذا التعقيد، هذا التردد الداخلي، لا الصورة الأيقونية التي تُعلّق على الجدار.
يمكن قراءة أدب المرأة بوصفه مساحة لتحرير الصوت، لكسر الصمت التاريخي. وتكون هذه القراءة أداة لفتح المجال أمام سرديات ظلت مهمشة طويلا. لكن حين نستخدم “الكتابة النسائية” كتصنيف جاهز يُقرأ النص من خلاله قبل أن يُقرأ بذاته، يصبح قيدا. لأن الكاتب ـ امرأة كان أم رجلا ـ لا يكتب من هوية واحدة فقط، بل من شبكة معقدة من الانتماءات والتجارب.
أنا أكتب من موقعي كامرأة عاشت سياقا معينا، نعم. لكنني لا أكتب لأمثّل فئة، ولا لأبرهن على موقف مسبق. أكتب لأفهم. وإذا كانت شخصياتي النسائية في روايتي “أثر الطير” تبدو أكثر تعقيدا من صورة الضحية أو المتمردة، فلأنني لا أؤمن بالنقاء الأخلاقي للشخصيات، بل بهشاشتها. الإنسان، قبل أن يكون امرأة أو رجلا، هو كائن متناقض. وقوة أيّ كتابة لا تأتي من اللافتة التي تُعلّق عليها، بل من قدرتها على ملامسة الأسئلة العميقة للوجود. وإذا استطاعت الكتابة التي تُنجزها امرأة أن تكشف طبقات خفية من التجربة الإنسانية، فهي تحرر نفسها وتحرر قارئها في آن واحد، دون حاجة إلى أن تُختزل في تعريف واحد.
المثقف المغربي يعيش منذ سنوات في منطقة رمادية بين الحضور والغياب. صوته مسموع أحياناً لكنه يبقى في كثير من الأحيان خارج مراكز القرار الثقافي والسياسي. من موقعك كشاعرة وروائية، كيف ترين موقع المثقف المغربي اليوم؟ هل ما يزال يمتلك القدرة على التأثير في المجتمع، أم أنه أصبح مجرد شاهد على التحولات الكبرى التي يعيشها العالم؟
أعتقد أن صورة المثقف بوصفه “ضمير الأمة” الذي يتكلم من موقع علوي ويحرّك الشارع أو يؤثر مباشرة في القرار السياسي، لم تعد صالحة كما كانت في لحظات تاريخية سابقة. العالم تغيّر، ووسائط التأثير تغيّرت، والسلطة لم تعد تتجسد فقط في مركز واضح يمكن مخاطبته أو معارضته من الخارج.
المثقف المغربي اليوم يعيش فعلا في منطقة رمادية، لكنني لا أرى ذلك بوصفه ضعفا بالضرورة. هذه المنطقة الرمادية قد تكون مساحة استقلال. حين يكون المثقف خارج مراكز القرار، فهو في الوقت نفسه أقل خضوعا لإملاءاتها. السؤال ليس: هل يُستدعى إلى الطاولة؟ بل: هل يحافظ على حريته في مساءلة الطاولة نفسها؟
التأثير لم يعد مباشرا أو صاخبا. لم يعد في شكل بيانات أو خطابات كبرى. أحيانًا يحدث بصمت: في اللغة، في الأسئلة التي تبدأ ببطء في تغيير طريقة نظرنا إلى العالم. هو عمل تراكمي في الوعي، فالكاتب لا يغيّر القوانين، لكنه قد يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، إلى السلطة وإلى الواقع. وهذا ليس تأثيرا بسيطا.
في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هناك تراجعا في حضور المثقف في الفضاء العمومي، لصالح أشكال أخرى من “الرأي” أكثر سرعة وأقل تعقيدا. وسائل التواصل جعلت الصوت العالي يغلب أحيانا على الصوت العميق. لكن جزءا من هذا التراجع لا يعود إلى الضجيج وحده، بل أيضا إلى تردد المثقف نفسه في دفع ثمن استقلاليته. وهذا لا يعني أن دور المثقف انتهى، بل ربما أصبح أكثر صعوبة. عليه أن ينافس الضجيج دون أن يتحول إلى جزء منه.
من موقعي كشاعرة وروائية، لا أرى نفسي “شاهدة” فقط، ولا “فاعلة سياسية” بالمعنى المباشر. أرى نفسي جزءا من هذا النسيج الهش الذي يحاول أن يحفظ مساحة للتفكير في زمن الاستعجال. إذا كانت الكتابة لا تغيّر العالم فورا، فهي على الأقل تمنعنا من الاستسلام الكامل له. وربما هذا هو شكل التأثير الممكن اليوم: أن نُبقي الأسئلة حيّة، حتى عندما يبدو أن الإجابات جاهزة ومغلقة.
العلاقة بين المثقف والسلطة ظلت دائماً علاقة ملتبسة في التاريخ العربي. هناك من يرى أن المثقف الحقيقي هو من يظل في موقع النقد والمساءلة، وهناك من يعتقد أن الحوار مع السلطة قد يكون أحياناً ضرورة من أجل الإصلاح. أين تضعين نفسك داخل هذه المعادلة الصعبة؟ وهل تعتقدين أن المثقف المغربي استطاع أن يحافظ على استقلاله الرمزي؟
العلاقة بين المثقف والسلطة ليست معادلة ثابتة، بل علاقة تاريخية متحركة، تتغير بتغير السياقات. أتحفّظ على فكرة “النقاء المطلق” كما أتحفّظ على فكرة “الاندماج الكامل”. المثقف الذي يتحول إلى صدى للسلطة يفقد جوهره، والمثقف الذي يكتفي برفع الشعارات من الخارج دون مساءلة عميقة قد يتحول هو أيضا إلى صورة نمطية.
أعتقد أن موقع النقد والمساءلة هو شرط أساسي لأي كتابة حرة. ليس نقدا انفعاليا، بل نقدا معرفيا وأخلاقيا، يطرح الأسئلة الصعبة حتى عندما لا تكون مريحة. في الوقت نفسه، لا أرى الحوار مع السلطة في ذاته خيانة. قد يكون أحيانا ضرورة، إذا كان حوارا قائما على الندية لا على التبعية، وعلى وضوح المسافة لا على ذوبانها. فالمسألة ليست في القرب أو البعد الفيزيائي من السلطة، بل في المسافة الرمزية، في القدرة على الحفاظ على استقلال الصوت. هل يستطيع أن يقول “لا” عندما يقتضي الأمر؟ أحيانا لا تكون المشكلة في السلطة وحدها، بل في استعداد بعض المثقفين لتخفيف لغتهم طوعا، خوفا من خسارة موقع أو امتياز. هنا يبدأ التنازل من الداخل.
أما عن المثقف المغربي، فأظن أن الصورة مركبة. هناك من استطاع أن يحافظ على استقلاله الرمزي، وأن يدفع ثمن ذلك أحيانا في شكل عزلة أو تهميش. وهناك من اختار موقعا أكثر تصالحا مع المؤسسات. لا يمكن التعميم. لكن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في العلاقة مع السلطة السياسية، بل مع سلطات أخرى أكثر خفاءً: السوق، الإعلام، الرغبة في القبول، الخوف من فقدان الامتيازات. استقلال المثقف ليس شعارا يُعلن، بل ممارسة يومية تظهر في اختياراته الصغيرة قبل مواقفه الكبرى.
كثيراً ما يشتكي المثقفون في المغرب من التهميش، من ضعف السياسات الثقافية، ومن غياب الاعتراف الرمزي والاجتماعي بدور الكاتب (ة). هل تشعرين فعلاً بأن المثقف المغربي يعيش حالة تهميش حقيقية، أم أن جزءاً من هذه الأزمة يعود أيضاً إلى طريقة اشتغال المثقفين أنفسهم وإلى علاقتهم بالجمهور وبالمجتمع؟
لا يمكن إنكار أن هناك هشاشة في السياسات الثقافية، وأن الثقافة غالبا ما تُوضع في الهامش مقارنة بقطاعات أخرى تُعتبر “أكثر أولوية”. فضعف البنيات الثقافية وغياب رؤية طويلة المدى، من العوامل التي تجعل الكاتب يشعر أحيانا بأنه يعمل في فراغ مؤسساتي، أو في فضاء لا يمنحه الاعتراف الذي يستحقه. لكن، في المقابل، لا أعتقد أن التهميش تفسيرٌ كافٍ لكل شيء. أحيانا نختبئ خلف خطاب التهميش لأننا لا نريد مواجهة عزلتنا الحقيقية عن المجتمع، أو لأننا لم نُجدّد أدواتنا بما يكفي. وأحيانا لأن الاعتراف الذي ننتظره من الخارج أسهل من الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا.
المثقف ليس ضحية خالصة. هو فاعل أيضا. وعليه أن يسأل نفسه: هل أخرج من دائرتي الضيقة؟ هل أستثمر في اللقاء المباشر، في النقاش العمومي، في الانخراط في قضايا المجتمع بطريقة لا تفقدني استقلالي؟ أم أكتفي بالشكوى من الخارج؟
ثم إن مفهوم “الاعتراف” نفسه يحتاج إلى مراجعة. هل الاعتراف هو الحضور الإعلامي؟ الجوائز؟ المناصب؟ أم هو ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الكتابة في وعي قارئ واحد قد لا نعرفه أبدا؟ في زمن تتغير فيه أنماط القراءة، ربما لم يعد الاعتراف يأخذ الشكل الذي اعتدناه.
أرى أن الأزمة مركبة: نعم، هناك ضعف في السياسات الثقافية، لكن هناك أيضا حاجة إلى إعادة تعريف دور المثقف وعلاقته بالجمهور. لا يكفي أن نطالب بالمكانة، علينا أن نعيد طرح السؤال الأصعب: كيف نجعل الثقافة ضرورة يومية؟ فالكتابة، إذا كانت صادقة، تجد طريقها ولو ببطء. ربما لا تحظى بالاحتفاء الفوري، لكنها تترك أثرا يتجاوز الضجيج العابر. والتحدي هو أن نواصل الكتابة والعمل، لا من موقع الشكوى الدائمة، بل من موقع الإصرار الهادئ.
في تجربتك الإبداعية نلاحظ عناية خاصة باختيار العناوين، وكأن العنوان عندك ليس مجرد مدخل للنص بقدر ما هو جزء من بنيته الجمالية والفكرية. كيف تولد عناوين أعمالك؟ هل تأتيك فجأة مثل ومضة شعرية، أم أنها نتيجة تأمل طويل في روح النص وفي الرسالة التي تريدين إيصالها للقارئ؟
العنوان بالنسبة لي ليس بطاقة تعريف تُعلّق على النص بعد اكتماله، بل هو جزء من معماره الداخلي. أحيانا أشعر أنه البذرة الأولى التي يتشكل حولها العمل، وأحيانا أخرى يكون آخر ما يُولد، بعد مخاض طويل، كأنه الاسم الذي يُعطى لطفل بعد أن تتضح ملامحه.
في بعض الحالات، يأتي العنوان كوميض مفاجئ، جملة قصيرة تطرق الباب بقوة، تحمل نغمة النص قبل أن تُكتب صفحاته. لكنه حتى حين يبدو ومضة، فإنه في العمق نتيجة تراكم طويل من الأسئلة والصور والهواجس. الومضة نفسها ليست بريئة، إنها خلاصة ما كان يتخمّر في الداخل.
وفي أحيان أخرى، أجرّب عناوين مؤقتة، أبدّلها، أختبر وقعها الصوتي والدلالي. لأن العنوان ليس مجرد إشارة دلالية، بل هو أيضا إيقاع، وموقف، وأفق قراءة. إنه أول وعد يُقدَّم للقارئ، وأحيانا أول خدعة جميلة أيضا. أفكر فيه كعتبة: عليه أن يفتح ولا يكشف، أن يوحي ولا يشرح، أن يحمل كثافة شعرية حتى في الرواية. ربما لهذا السبب أتعامل معه بعناية خاصة، لأنه يختصر توتر العمل كله في عبارة واحدة. أراه أحيانا كمفتاح رمزي يفتح الباب ويقود القارئ إلى الطريقة التي سيدخل بها إلى النص. العنوان بالنسبة لي أفق مفتوح أكثر منه رسالة محددة.
الرواية المغربية اليوم تعرف تنوعاً لافتاً في الأساليب والموضوعات، لكنها تعيش أيضاً منافسة شرسة مع وسائل التعبير الجديدة مثل الصورة والوسائط الرقمية. هل تعتقدين أن الرواية ما تزال قادرة على أن تكون “ديوان العصر” كما كان يقال عن الشعر في الماضي، أم أن زمن السرد الأدبي يواجه تحديات جديدة؟
أعتقد أن كل عصر يظن أنه يعيش نهاية الأدب، ثم يكتشف لاحقا أن الأدب كان فقط يغيّر جلده. صحيح أن الرواية اليوم تنافس الصورة والمنصات الرقمية والإيقاع السريع للمحتوى العابر، لكن المشكلة ليست في المنافسة، بل في نوع الإدراك الذي تُنتجه هذه السرعة. حين نعتاد الاستهلاك السريع للمعنى، نفقد تدريجيا قدرتنا على تحمّل التعقيد. فالتفاهة اليوم تتجاوز كونها وسائط سريعة، إنها طريقة في إدراك العالم تختزل التجربة الإنسانية في لحظة عابرة. وهنا تصبح الرواية فعل مقاومة لا مجرد جنس أدبي. فالصورة تدهشنا، والفيديو يجذبنا، والوسائط الرقمية تختصر المسافة، لكن الرواية تفعل شيئا مختلفا: تمنحنا تجربة العيش داخل وعي آخر. إنها تُبطئنا في زمن الاستعجال، وتجبرنا على الإصغاء إلى طبقات معقدة من الذاكرة والهوية والتاريخ. ولهذا تبقى الرواية أحد الأماكن القليلة التي يُسمح فيها للتجربة الإنسانية بأن تظهر بكل تعقيدها.
أما مسألة “ديوان العصر”، فأظن أن المعنى تغيّر. لم يعد هناك مركز واحد يحتكر التعبير عن العصر. نحن نعيش تعددية سردية: السينما، الوثائقيات، البودكاست، وحتى الألعاب الرقمية، كلها تروي العالم بطريقتها. لكن الرواية تظل المساحة التي يُختبر فيها المعنى بعمق، حيث لا يكفي فيها أن يحدث شيء، بل أن نفهم ما يعنيه حدوثه.
الرواية المغربية اليوم، في تنوعها الأسلوبي والموضوعاتي، تعكس هذا القلق المعاصر: سؤال الهوية، التحولات الاجتماعية، العلاقة مع السلطة، مع الواقع، مع الآخر. وهذا التنوع في حد ذاته علامة حيوية. التحدي ليس في منافسة الصورة، بل في أن تظل الرواية وفية لطبيعتها: مساحة للتأمل، للتعقيد، للبطء الضروري.
ربما لم تعد الرواية “ديوان العصر” بالمعنى القديم، لكنها ما تزال مختبره العميق. هي المكان الذي نعيد فيه سرد أنفسنا كما نعيشها في الداخل، لا كما تُختصر في صورة عابرة.
عندما يقرأ القارئ نصوصك يشعر أن هناك دائماً حواراً خفياً بين الشعر والرواية، بين اللغة المكثفة والحكاية الممتدة. هل ما يزال الشاعر يسكن داخل الروائية ثريا ماجدولين؟ أم أن الرواية نجحت في أن تستأثر بكامل فضاء الكتابة لديك؟
لا أستطيع أن أفصل بين الشاعرة والروائية في داخلي. الشاعرة لم تغادر، ولم تتحوّل إلى مرحلة منتهية. هي تسكن اللغة التي أكتب بها، حتى عندما أشتغل على بنية سردية ممتدة. ربما تغيّر الموقع، لكن الجوهر لم يتبدل.
حين أكتب رواية، لا أستطيع أن أتخلّى عن حساسية الشعر: عن الإيقاع الداخلي للجملة، عن العناية بالصورة، حتى في السرد الطويل، أبحث عن تلك الكثافة التي تمنح العبارة توترها. الشاعر في داخلي يرفض اللغة المسطّحة، ويطالب دائما بأن يكون للكلمات ظلٌّ يتجاوز معناها المباشر.
في المقابل، الرواية علّمتني ما لم يكن الشعر يمنحني إياه بالقدر نفسه: الصبر على الزمن، على التراكم، على بناء الشخصيات في تحوّلها. الرواية سمحت لي بأن أختبر الامتداد، أن أتنفّس داخل المسافة، أن أرى الفكرة وهي تنمو بدل أن تلمع ثم تختفي.
لذلك لا أرى الأمر استئثارا بقدر ما أراه حوارا دائما. أحيانا تتقدّم الرواية بخطوات واسعة، وأحيانا يهمس الشعر في الهامش، يذكّرني بأن اللغة تعيش داخل النص ككائن حيّ يتجاوز وظيفة الحكي. ربما لهذا يشعر القارئ بذلك الحوار الخفي، لأنه موجود فعلا في طريقة تشكّل النص.
أنا لا أكتب رواية “ضد” الشعر، ولا أكتب شعرا “ضد” الرواية. أكتب من منطقة تتقاطع فيها الحساسية الشعرية مع الحاجة إلى السرد. وإذا كان عليّ أن أختار صورة، فسأقول إن الشاعر هو القلب، والرواية هي الجسد. ولا يمكن لأحدهما أن يعيش دون الآخر.
في زمن يتغير بسرعة مذهلة، حيث تتبدل القيم وتختلط الحدود بين الثقافي والإعلامي والرقمي، ما الدور الذي تتمنين أن يلعبه الكاتب المغربي اليوم؟ وهل ما زلت تؤمنين بأن الأدب قادر على تغيير شيء في هذا العالم، أم أن الكتابة أصبحت مجرد محاولة جميلة للدفاع عن المعنى في زمن يزداد ضجيجاً؟
في زمن تتبدل فيه القيم بسرعة تكاد تربك الوعي، أظن أن الدور الأول للكاتب ليس أن يلاحق هذا التحول، بل أن يمنحه عمقا. ليس مطلوبا منه أن يكون معلِّقا يوميّا على كل حدث، بل أن يحفر في ما يتجاوز الحدث: في الأسئلة التي تبقى حين يهدأ الضجيج.
الكاتب المغربي اليوم، في رأيي، مدعوّ إلى أن يكون شاهدا يقظا، لا مجرد متفرج، وأن يحافظ على مسافة نقدية من هذا التداخل بين الثقافي والإعلامي والرقمي. نحن نعيش زمنا تختلط فيه الحقيقة بالصورة، والرأي بالخبر، والانفعال بالمعرفة. وفي هذا الالتباس تصبح الكتابة محاولة لاستعادة القدرة على التمييز والتفكير وترتيب الأولويات.
فأنا لا أؤمن بأن الأدب يغيّر العالم بمعناه المباشر أو السياسي. لكنه يغيّر شيئا أعمق: إنه يزعزع يقيننا بالعالم قبل أن يغيّره، يربك المسلمات، ويفتح ثغرة في الجدار الصلب لليقين. وأحيانا يكفي أن تتغير نظرة إنسان واحد لكي يتغير مسار حياة كاملة.
قد تبدو الكتابة اليوم مجرّد دفاع جميل عن المعنى في زمن الضجيج، لكن هذا الدفاع هو ما يمنع العالم من الانزلاق الكامل نحو العبث. حين يكتب الكاتب بصدق، فهو لا يضيف محتوى جديدا إلى الفوضى، بل يحاول أن يعيد ترتيبها، أن يمنحها شكلا يمكن التفكير فيه.
أحلم أن يظل الكاتب المغربي وفيا لهذا الدور: أن يكتب دون خوف، دون استعجال، دون استسلام لإغراءات الظهور السريع. أن يحافظ على استقلاله، وأن يظل قادرا على طرح السؤال حين يسارع الجميع إلى تقديم الجواب. ربما لم تعد الكتابة سلطة، لكنها ما تزال مسؤولية. وما دام هناك من يؤمن بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك للصور، بل كائن يبحث عن معنى، فالأدب سيبقى ضروريا في عالم يتسارع أكثر مما يحتمل القلب.
كلمة مفتوحة
ما يشغلني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو سؤال الصدق: صدق الكتابة مع ذاتها، وصدق الكاتب مع قلقه. في عالم يميل إلى التسويق السريع للأفكار والمواقف، يصبح من السهل أن نكتب ما يُنتظر منا، فيما تتطلب كتابة ما يربكنا قدرا أكبر من الشجاعة. لذلك أحاول أن أبقى في منطقة الارتباك الخلّاق، تلك المنطقة التي تتكوّن فيها الأسئلة قبل أن تتصلّب في أجوبة جاهزة. أجد في الكتابة طريقتي الخاصة للعيش وفهم ما يحدث حولي. إنها محاولة للإصغاء إلى ما يعبرني قبل أن يمرّ دون أثر. ومقاومة للنسيان، وللتبسيط، وللصور الجاهزة عن الإنسان والمرأة والمثقف والوطن.
أعرف أن الأدب لا يوقف الحروب، ولا يغيّر القرارات الكبرى، لكنه يمنحنا شيئا لا يقل أهمية: القدرة على التأمل في ما نفعل، وعلى رؤية أنفسنا خارج الضجيج. وإذا كان لي أن أتمنى شيئا، فهو أن يظل الأدب مساحة للحرية الداخلية، وأن يظل القارئ شريكا في هذا البحث، لا مجرد متلقٍ.
The post ماجدولين: "الكتابة النسوية" اختزال ضيق .. والمثقف لم يعد "ضمير الأمة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.