ما بعد "اليونيفيل": لماذا يصمت لبنان فيما أوروبا تخطط؟
لم يعد السؤال في الكواليس الديبلوماسية عن تجديد ولاية قوات "اليونيفيل"، بل عما سيأتي بعدها. فمع اقتراب انتهاء المهمة الحالية لقوة الأمم المتحدة نهاية العام، تتكثف الاتصالات الدولية لرسم صورة الجنوب اللبناني في المرحلة المقبلة، فيما يبدو لبنان الرسمي متردداً في إعلان موقف واضح من الملف، رغم أن الموفد الفرنسي جان إيف لودريان طلب قبل أسابيع من المسؤولين اللبنانيين تحديد رؤيتهم للمستقبل.
التسريبات التي خرجت من برلين وبروكسل أضافت عنصراً جديداً بالغ الدلالة. فوفق وكالة الأنباء الألمانية، أعد جهاز العمل الخارجي الأوروبي ورقة مفاهيمية لبعثة عسكرية ومدنية تمتد ثلاث سنوات على الأقل، هدفها تقديم المشورة والتدريب والتأهيل للقوات المسلحة اللبنانية، بما يسمح لها ببسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية وفرض احتكار الدولة للسلاح.
الأوروبيون يتحدثون إذاً بلغة مختلفة عن تلك التي اعتادها اللبنانيون في السنوات الأخيرة. فالنقاش لم يعد محصوراً بحفظ الاستقرار على الحدود الجنوبية، بل بات يتناول بناء قدرات الدولة اللبنانية لتصبح المرجعية الأمنية الوحيدة. وتكشف الوثيقة أن حجم البعثة وتكوينها سيحددان لاحقاً، وأن القرار النهائي قد يُتخذ في الخريف بعد مراجعة سفراء الدول الأعضاء ووزراء الخارجية الأوروبيين.
الأكثر أهمية أن تسريبات ديبلوماسية المانية تحدثت عن بدء بعثة تدريب أوروبية للجيش وقوى الأمن اللبنانية أواخر 2026 أو مطلع 2027، تشمل تدريب ضباط الشرطة وتعزيز حماية الحدود مع سوريا وإسرائيل، مع احتمال تقديم تجهيزات وتسليح للجيش اللبناني. ورغم تأكيد الديبلوماسيين الأوروبيين أن هذه البعثة ليست بديلاً مباشراً من "اليونيفيل"، فإن مجرد وضعها على الطاولة يكشف أن أوروبا تستعد عملياً لمرحلة مختلفة تماماً.
لماذا لا يعلن لبنان موقفاً واضحاً؟
المشكلة الأساسية أن أي موقف رسمي من مرحلة ما بعد "اليونيفيل" سيقود حكماً إلى السؤال الأكثر حساسية: من يملأ الفراغ الأمني جنوب الليطاني؟ وهل يصبح الجيش اللبناني القوة المسلحة الوحيدة في تلك المنطقة؟
هذا السؤال لا يزال موضع انقسام داخلي، لأن الإجابة عنه ترتبط مباشرة بمستقبل سلاح "حزب الله" وكيفية تطبيق القرار 1701. لذلك يفضّل المسؤولون اللبنانيون حتى الآن إبقاء الملف في دائرة المشاورات غير المعلنة، في انتظار اتضاح التوازنات السياسية والأمنية.
من يقرر؟
دستورياً، لا يستطيع أي مسؤول منفرد اتخاذ قرار بهذا الحجم. فالموقف اللبناني الرسمي يجب أن يصدر عن مجلس الوزراء مجتمعاً، بعد تنسيق بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية وقيادة الجيش. وإذا كان الأمر يتعلق بقبول بعثة دولية جديدة أو تعديل جوهري في الآلية الأمنية القائمة، فإن القرار يحتاج حكماً إلى غطاء حكومي كامل.
ولكن حتى الآن، لم يناقش مجلس الوزراء تصوّراً متكاملاً لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، ما يعزز الانطباع أن الخارج يتحرك أسرع من الداخل اللبناني.
نافذة أوروبية على الجنوب
التسريبات الألمانية تكشف أيضاً أن أوروبا تتعامل مع الملف من زاوية أوسع من الجنوب وحده. فالبعثة المقترحة تشمل تدريب قوى الأمن الداخلي وتعزيز ضبط الحدود اللبنانية ـ السورية، أي أنها تربط الاستقرار الجنوبي ببناء الدولة الأمنية اللبنانية ككل.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأوروبية واضحة: لا يمكن ضمان استقرار دائم من خلال قوة مراقبة دولية فقط، بل عبر مؤسسات لبنانية قادرة على فرض سلطتها على الأرض. ولذلك شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أخيراً على أن بناء قوات لبنانية قادرة يبقى شرطاً أساسياً لاستقرار لبنان.
لبنان بين الصمت والقرار
المفارقة أن النقاش الأوروبي بات يتناول مدة المهمة الجديدة، وحجمها، وتدريب الجيش والشرطة، وحتى حماية الحدود، فيما لا يزال لبنان الرسمي يتجنب إعلان رؤية واضحة. وكأن المجتمع الدولي يسأل: ماذا يريد لبنان؟ فيما يكتفي اللبنانيون بمراقبة النقاش من الخارج.
في المحصلة، قد لا تكون العقدة الحقيقية في شكل القوة الدولية المقبلة أو حجمها، بل في القرار اللبناني نفسه. فقبل الإجابة عن سؤال "ما بعد اليونيفيل"، يبقى السؤال الذي ينتظر العالم جواباً واضحاً عنه: لمن تكون الكلمة الأمنية النهائية في الجنوب اللبناني خلال السنوات المقبلة؟