ما الذي أصاب “شيعة” فاطمة الزهراء بنت الصالحين؟

في لحظة سياسية مشحونة، لا تخلو من رهانات انتخابية مبكرة، استفاق الرأي العام المغربي على مشهد غير مألوف: موجة تضامن حزبي عارمة، منسقة ومتشابهة إلى حد التطابق، اجتاحت الفضاء الرقمي دفاعًا عن وزيرة اختارت أن ترد على ما اعتبرته إساءة إعلامية بأسلوب لم يخلُ من الرمزية السياسية والدلالات العميقة.

قد يكون من المشروع لأي مسؤول عمومي أن يحتج على ما يراه افتراءً أو مساسًا بسمعته، بل إن اللجوء إلى القضاء يظل الآلية الطبيعية والمؤسساتية لحسم مثل هذه النزاعات. لكن ما يثير الانتباه هنا ليس مضمون الرد في حد ذاته، بل الشكل الذي اتخذه، والحجم غير المسبوق من “التضامن” الذي أعقبه، وكأننا أمام حدث جلل يمس كيان الجماعة لا مجرد خلاف مع منبر إعلامي.

حين تتحول تدوينة إلى ما يشبه “نداء نصرة”، وحين يستجيب لها العشرات – بل المئات – بنصوص متطابقة، فإننا لا نكون فقط أمام تضامن سياسي تقليدي، بل أمام سلوك جماعي أقرب إلى الطقوس، حيث يغيب النقاش الفردي لصالح الاصطفاف، وتُستبدل الحجة بالتكرار، ويُختزل الانتماء الحزبي في الولاء للشخص بدل الفكرة.

هذا المشهد يستدعي، دون مبالغة، مقارنة رمزية مع أنماط تاريخية من التعبئة العاطفية، حيث يتحول الانتماء إلى حالة وجدانية تتجاوز العقلانية. فكما ارتبطت بعض أشكال التشيع تاريخيًا بمظاهر الحزن الجماعي والولاء المطلق لشخصيات مقدسة، بدا أن “شيعة بنت الصالحين” – إن صح التعبير المجازي – أعادوا إنتاج منطق مشابه، لكن في سياق سياسي معاصر، تُدار فيه المعارك عبر منصات التواصل بدل ساحات التاريخ.

غير أن الفارق الجوهري هنا أن أولئك كانوا يتحركون بدافع عقائدي عميق، بينما يبدو أن هذا الاصطفاف الحزبي المعاصر تحكمه اعتبارات أكثر براغماتية: حسابات القرب، منطق الولاء، ورهانات الموقع داخل هرم النفوذ. فالتضامن، في كثير من الأحيان، لا يكون تعبيرًا عن قناعة، بل استثمارًا في المستقبل.

المفارقة المؤلمة أن هذا الحماس الجماعي للدفاع عن “الرمز” لم يُترجم بنفس القوة حين تعلق الأمر بقضايا اجتماعية ملحة: أسر مهددة بالتشرد، أحياء تواجه الهدم، أو مواطنون ينتظرون أجوبة واضحة حول مصيرهم. هنا يخفت الصوت، ويتراجع الحضور، ويغيب ذلك “الاستنفار” الذي رأيناه في معركة افتراضية.

إن ما حدث يكشف، في العمق، عن تحولات مقلقة في بنية الفعل الحزبي، حيث لم تعد الأحزاب فضاءات للنقاش والتأطير، بل أخذت في بعض تجلياتها شكل “زوايا سياسية”، تتمحور حول الأشخاص، ويُقاس فيها القرب بدرجة الولاء، لا بوزن الفكرة. وفي مثل هذا السياق، يصبح المناضل مريدًا، والسياسي تابعًا، وتتحول المواقف إلى طقوس جماعية تُمارس أكثر مما تُناقش.

ليس المشكل في أن يتضامن أعضاء حزب مع قيادتهم، فهذا أمر مفهوم بل ومطلوب في حدود معينة. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا التضامن إلى استعراض جماعي يُغني عن الفعل المؤسساتي، ويُغطي على أسئلة أكبر تنتظر أجوبة أكثر إلحاحًا.

لا يمكن اختزال السياسة في ردود فعل عاطفية، ولا في حملات رقمية منسوخة. السياسة، في جوهرها، مسؤولية، مساءلة، وقدرة على ترتيب الأولويات. وبين الدفاع عن السمعة الشخصية والانشغال بقضايا المواطنين، تبقى البوصلة الحقيقية هي: من يستحق أن يُرفع صوته أولًا؟

اقرأ المقال كاملاً على لكم