مؤتمر "فتح" الثامن... صراع العرش يطغى على كلّ شيء
وسط الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، والأزمة المتفاقمة داخل السلطة الفلسطينية، ينعقد مؤتمر "فتح" الثامن في لحظة تُعد الأكثر حساسية منذ سنوات، بعدما تحوّل من استحقاق تنظيمي داخلي إلى ساحة صراع مفتوح على موازين القوى ومرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
فبعد عشرة أعوام على المؤتمر السابع، وفي ظلّ تراجع غير مسبوق في ثقة الشارع الفلسطيني بالسلطة، لم تعد انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري مجرد محطة تنظيمية داخلية، بل باتت تُقرأ باعتبارها اختبار قوة بين أجنحة حركة فتح، والأجهزة الأمنية، والقيادات التقليدية، والوجوه التي يجري إعدادها لوراثة النفوذ داخل النظام الفلسطيني.
يسعى 2580 عضواً في الحركة، خلال المؤتمر الذي يمتد ثلاثة أيام، إلى انتخاب 80 عضواً للمجلس الثوري و18 آخرين للجنة المركزية، مع إمكانية إدخال تعديلات على النظام الداخلي للحركة، وسط انقسامات داخلية حادة وتنافس متصاعد على رسم ملامح المرحلة المقبلة داخل "فتح" والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.
دحلان والقدوة خارج المشهد
وبرز ملف خروج أنصار القيادي المفصول من "فتح" محمد دحلان من الأطر المشاركة، بعدما رفض كثير منهم اتباع الإجراءات التي أقرتها الحركة لعودتهم إلى صفوف التنظيم.
وجاء ذلك بعد تشدد اللجنة المركزية في قرارها القاضي بأن يبادر كل عضو إلى تقديم طلب فردي للعودة إلى صفوف الحركة، بالدرجة التنظيمية العادية، دون درجته السابقة التي فُصل بقرار تنظيمي وهو يشغلها، مع استثناء من صدرت بحقهم أحكام قضائية، وهو ما رفضه "تيار الإصلاح والتغيير" الذي يرأسه دحلان.
وفي السياق نفسه، أعلن عضو المجلس الثوري السابق وعضو المجلس الاستشاري في "فتح" أحمد غنيم عدم مشاركته في أعمال المؤتمر الثامن، عازياً قراره إلى أسباب تنظيمية وسياسية سيكشف عنها لاحقاً. وأوضح أن قراره جاء بعد معالجة طعنه المتعلق بحذف اسمه من قائمة عضوية المؤتمر، قائلاً إن الحركة "ستبقى التنظيم القائد، ولن تكون يوماً تنظيماً لقائد".
في المقابل، أعلن الدكتور ناصر القدوة، وزير الخارجية الأسبق والممثل السابق لمنظمة التحرير في الأمم المتحدة وابن شقيقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، عدم مشاركته في المؤتمر، بعد عودته أخيراً إلى صفوف "فتح" عقب سنوات من الإبعاد والمنفى، معتبراً أن الحركة "تحوّلت إلى ساحة للصراعات الشخصية بدلاً من إطار لنقاش سياسي حقيقي".
البرغوثي حاضر... وياسر عباس يتقدّم
في قلب الصراع الداخلي، تبقى شخصية مروان البرغوثي، الملقب بـ"مانديلا فلسطين"، حاضرة بقوة، رغم أسره منذ ما يقارب 25 عاماً. فالبرغوثي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة في غزة والضفة الغربية والقدس، ويُعدّ رسمياً عضواً في اللجنة المركزية لـ"فتح".
ويرى محللون أنه الشخصية الوحيدة القادرة على استعادة جزء من الشرعية التي فقدتها الحركة، وتوحيد الصفوف التي تشرذمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظلّ التراجع الحاد في شعبية الحركة والسلطة الفلسطينية.
وفي موازاة ذلك، برز اسم ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، بعدما كان بعيداً عن المشهد السياسي لعقود.
ويشارك ياسر عباس بصورة متزايدة في الاجتماعات الرسمية واللقاءات السياسية بصفته مساعداً للرئيس أو مستشاراً أو ممثلاً شخصياً له، في ما يُنظر إليه باعتباره محاولة تدريجية لإدخاله إلى الحياة السياسية وترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الحركة.
وخلال الأسابيع الماضية، أجرى زيارات ولقاءات مع قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية وهيئة شؤون الأسرى، والتقى أسرى مبعدين في مصر، وسعى إلى الترشح ممثلاً عن فرع "فتح" في لبنان، رغم أن مركز نشاطه السياسي في رام الله.

ويقول مؤيدوه إن انتماءه العائلي لا يجب أن يمنعه من الترشح لأي موقع داخل الحركة، فيما يرى خصومه أن ما يجري يعكس محاولة واضحة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل "فتح" استعداداً لمرحلة ما بعد محمود عباس.
وقد يدفع تشابك المصالح ياسر عباس إلى التحالف مع رئيس جهاز المخابرات ماجد فرج، الذي يُعد من أكثر الشخصيات قرباً وثقة لدى أبو مازن. وإذا نجح الاثنان في دخول اللجنة المركزية، فقد يشكل ذلك ثقلاً موازناً لنفوذ حسين الشيخ، الذي عيّنه عباس نائباً له قبل نحو عام، في خطوة اعتُبرت محاولة لرسم معالم مرحلة ما بعده.
وفي موازاة ذلك، يخوض عدد من قادة "فتح" التاريخيين معركة بقاء سياسية، بينهم عباس زكي وتوفيق الطيراوي، فيما يحتفظ كل من محمد اشتية وجبريل الرجوب بنفوذ سياسي مهم، رغم تصاعد الانتقادات الموجهة إلى رموز "النظام القديم".
أزمة شرعية وثقة فلسطينية متراجعة
بعد 20 عاماً من دون انتخابات رئاسية وتشريعية، يأتي المؤتمر الثامن في لحظة تُعد الأكثر حساسية منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، وسط تراجع الثقة الشعبية، والأزمة الاقتصادية، والحرب، والانقسام الداخلي.
وفي ظل غياب أي مسار ديموقراطي حقيقي لترتيب الوضع الداخلي، تتحول أروقة "فتح" إلى ساحة تنافس على النفوذ ومراكز القوة، فيما تواجه السلطة الفلسطينية - التي تشكل الحركة عمودها الفقري السياسي والتنظيمي - واحدة من أعمق أزماتها السياسية والتنظيمية.
وبينما تتوسع الاستيطانات الإسرائيلية وتتحول الضفة الغربية إلى مناطق معزولة ومقطعة، يغيب النقاش الجدي حيال المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبل العلاقة مع إسرائيل، لصالح صراعات داخلية على المواقع والإرث السياسي.
وفي حديثه مع "النهار"، يقول الدكتور ناصر القدوة إن ما يجري "ليس مؤتمراً بل لمّة، الغرض منها تعزيز القوة والأوراق والمصالح، والطرف الأقوى في هذه اللعبة هو أبو مازن".
ويضيف أن "الانتخابات الحقيقية الوحيدة الممكنة هي انتخابات المجلس التشريعي والانتخابات الرئاسية"، معتبراً أن القيادة الحالية "لم تعد معنيّة بوضع استراتيجية وطنية لمواجهة السياسات الإسرائيلية والاستعمار الاستيطاني".
ويختم بالقول إن "المستقبل يحتم علينا اليوم التغيير، فالإصلاح عفا عليه الزمن. اليوم نحن أمام خيارين: إما التغيير الجذري أو الاندثار".