مأزق ترامب ولعب إيران على حافة الهاوية
يصعب التكهن بنهاية الموجة الثالثة من الحرب الأميركية الإيرانية المتجددة. لم تكن مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب في نيسان/أبريل الماضي أكثر من اتفاق على هدنة، فمنذ يومها الأول اختلف الفريقان على تفسير بنودها التي اتسمت بغموض لا يبدو منطقياً أنه لم يثر انتباه المفاوضين من الطرفين. والواقع أن إيران استفادت إلى حد كبير من هذا الغموض ومن المذكرة التي أتت لمصلحتها بشكل عام.
الآن أسقطت المذكرة، الطرفان اعتبراها ملغية وعادت الأمور إلى نقطة الصفر تقريباً مع عودة هدير الطائرات وأزيز الصواريخ ودوي الانفجارات.
لم يتقبل صقور أميركا المذكرة التي اعتبروها هزيمة معنوية لبلادهم تسقط هيبتها الدولية، لم يقتنعوا بسردية الرئيس دونالد ترامب عن الانتصارات وتحطيم قوة إيران وإجبارها على تعهد عدم انتاج سلاح نووي. ولم ينجح ترامب في تسويق المذكرة داخلياً ولا لدى الحلفاء الممتعضين من تراخيه المستغرب بعد حربين تدميريتين على إيران بمشاركة إسرائيلية كثيفة. ففيما كان العالم يميل إلى الاعتقاد بأن إيران على وشك الاستسلام، بناء على تصريحات ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو أثناء الحرب، أتت المذكرة لتشير بوضوح إلى رجحان كفة إيران في المفاوضات وتحقيقها مكاسب كبيرة، سياسية واقتصادية ومعنوية. من هنا بدأت إدارة ترامب تدرك أنها خسرت المعركة السياسية ضد إيران رغم ما ألحقته الآلة العسكرية الأميركية والإسرائيلية من دمار في البنى العسكرية والمدنية الايرانية بعد القضاء على قيادات كثيرة في الصف الأول من بينها المرشد علي خامنئي.
خطابان متشابهان
بالغ ترامب كثيراً في الحديث عن الانتصار على إيران وعن عظمة الجيش الأميركي وعن سحق المواقع النووية الإيرانية وإغراق الأسطول الإيراني وتدمير المنشآت والقضاء على مصانع الصواريخ وإزالة التهديد الإيراني نهائياً، وفي معرض تباهيه بهذا النصر تراجع تدريجياً عن هدف إسقاط النظام الذي كان في طليعة أهداف الحرب. ومثله فعلت إيران بعد توقيع المذكرة، إذ تصرفت كمنتصر لا جدال فيه في الحرب ما يعطيها حق الولاية على مضيق هرمز والتحكم بحركة التجارة العالمية فيه عبر فرض إجراءات أحادية على حركة العبور فيه.
يتشابه الخطابان الأميركي والإيراني في استراتيجيتيهما الموجهتين إلى الجمهورين الداخلي لكل منهما والعالمي، وفيما استأثر ترامب بمعظم الخطاب الأميركي تاركاً لمعاونيه بعض الجزئيات، توزع المسؤولون الإيرانيون الأدوار بين الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، ونادراً، ومن دون صوت وصورة، المرشد مجتبى خامنئي المجهول الوضع والإقامة، وقادة في الحرس الثوري. وكما فعل ترامب بالحديث عن الانتصارات الحاسمة ثم عن المفاوضات وحتى الإشادة أحيانا بأعدائه الإيرانيين وخفض سقف التوقعات وصولاً إلى توقيع مذكرة تفاهم، أعطت إيران أكثر مما كان العالم يتوقعه، فعل القادة الإيرانيون بالحديث عن انتصارات وعن رفض التفاوض مع الأعداء وعن الثأر لخامنئي وعن فشل الضربات الأميركية في تحقيق أهدافها ثم التراجع إلى الاعتراف بحجم الخسائر والأضرار وتأثيراتها المتوقعة على الاقتصاد والعمران والتفاوض على إنهاء الحرب.
إيران كمنتصرة!
لم يكن استئناف العمليات العسكرية مفاجئاً لمتابعي الوضع في المنطقة، فالمذكرة حملت في طياتها بذور حرب جديدة واعتبرها كثير من المحللين مجرد هدنة موقتة. وأول من توقع عودة الحرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومراكز أبحاث إسرائيلية ثم محللون عرب وأجانب اتفقوا على أن ترامب وقع اتفاقاً أعطى إيران موقع المنتصر مانحاً إياها فرصة السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي والاحتفاظ ببعض أذرعها وتشكيل تهديد دائم لمنطقة الخليج، ما يشكل تجاوزاً للوضع الذي كان قائماً قبل الحرب عندما كانت الملاحة في المضيق حرة ومجانية.
بالنسبة إلى ترامب هذه الحرب هي لتصحيح خطأ استراتيجي، وهو محكوم بتحقيق إنجاز على الأرض ليستثمره في المفاوضات المقبلة التي ما زال يعلن أنه يريدها ويفضلها على الحرب، لن يكفيه تدمير منشأة هنا وهناك ولا قتل قائد ولا حتى مرشد. هذه استراتيجية فاشلة في حرب على بلد يعد 90 مليون نسمة في نظام شبه مغلق يحكمه بقبضة شديدة حرس عقائدي، هذه حرب يخوضها ترامب من دون خطة واضحة لكن لا خيار أمامه، لم تترك له إيران الخيار، تريد دائماً المزيد، صعّدت حتى الذروة في مسألة مضيق هرمز وحتى في مسألة البرنامج النووي. سحبت منه الإنجاز الوهمي فتح المضيق وبدأت تتملص من تعهد شفوي بعدم امتلاك سلاح نووي. كل شيء يشي بتصعيد عسكري يتمناه نتنياهو ويحاذر ترامب حتى الآن في توسيعه وتلعب إيران على حافة هاويته.