ليليت... ليليت... مَن منكُما الأَفعى؟
كُتب عنها الكثير، وصدرَت عنها أَساطيرُ ورواياتٌ وقصائد، لعلَّ بين أَحدثها مجموعة الشاعرة اللبنانية جمانة حدَّاد التي فجَّرت من أُسطورتها نصوصًا بين أَجمل ما صدر.
ماذا عن ليليت، وعن أُسطورتها؟
الزوجة الأُولى
في العُرف أَنها شيطانة ساحرة، غالبًا ما يأْتي تصويرُها على هيئة امرأَة عارية، ساحرة أَو مسحورة، تلتفُّ على جسدها أَفعى ناشبةٌ بحمْأَة الشهوة والغريزة وفحيح النزْوة الثائرة.
وردَ ذكرُها، بين مراجع عدَّة، في العهد القديم من الكتاب المقدَّس. كما وردَت بأَسماء مختلفة وقصص شعبية وأُسطورية متعدِّدة، لعلَّ أَبرزَها أَنها زوجةُ آدم الأُولى عند فجر الخليقة. وورَد ذكرها بأَنها مطرودة من الفردوس، لأَنها ثارت على زوجها وعصَتْه، أَو هي التي تركَت الفردوس لأَنها لا تريد الانصياع لزوجها. هكذا بقيَت لنا منذ العهود القديمة: فخارياتٌ ومحفوراتٌ ونقوشٌ في أَحجام وأَشكال متعدِّدة، عليها صوَرٌ وإِيحاءاتٌ من ليليت، في بعضها أَنها أُنثى خبيثة تطارد الرجال كي تفصلَهم عن نسائهم الحبالى.
قصصها والرسوم عنها، تختلف بين بيئةٍ وأُخرى وتقاليد وأُخرى. لكنَّ ذكرها في أَغلب المواقع والمواضع ترِدُ لدى كاتبات أَو رساماتٍ ناشطات متحمسات ملتزمات بالحركة النسوية وأَنشطة المرأَة. وفي ذلك لغطٌ متواصلٌ في الكلام عنها بين اللاهوتيين والمؤَرخين.
منذ إِشعيا
أَقدم المراجع عنها يرقى إَلى القرن الثامن (ق.م.)، وفي صيَغ مختلفة. وامتدَّت الأَساطير حولها عبر الشرق الأَوسط وبعض الدوَل المتوسطية، خصوصًا في نصوص سومرية وبابلية سحيقة القدم، تبدو فيها مرة منفردة، وأَحيانًا مجموعة نساء شهوانيات. وما يتناوله المؤَرخون المعاصرون يرتكز في معظمه إِلى نقوش قديمةٍ تظهر فيها ليليت بشكل تعويذة تطرد الشر. لذا تبدو في النقوش وَحَولها ذعرٌ منها وقلقٌ وريبةٌ لأَنها تهدِّد أَمان العائلات. وفي بعض المعتقدات أَنها روح شريرة تتسلَّل ليلًا إِلى البيوت الآمنة، لتُغري الرجال، وتعذِّب النساء في لحظات وضْعهِنَّ، وتخْطف الأَطفال الحديثي الولادة، وتَقتل الأطفال في سنوات طفولتهم الأُولى.

أَدمُ ذكْر لها في النصوص القديمة، ما ورَدَ في سفر إِشعيا (34/14): "وَتُلاقي وُحُوشُ القَفْرِ بَنَاتِ آوَى، وَمَعْزُ الوَحْشِ يَدْعُو صَاحِبَهُ. هُنَاكَ يَسْتَقِرُّ اللَيْلُ وَيَجِدُ لِنَفْسِهِ مَحَّلًا". وهي تَظهر شيطانةَ الليل، كما في "كتاب يشوع بن سيراخ" إِذ تكون زوجة آدم الأُولى التي غادرت الجنة إِلى الجحيم لتصبح شخصية إِبليسية. وبقيَتْ على هذه الصورة طيلة قرون لاحقة.
مع تطوُّر العصور، اتخذَت ليليت منحًى رمزيًّا آخر. وفي ستينات القرن الماضي، ظهرَت في أَنشطة تحرير المرأَة، وفي موجات حركات نسائية اتَّخذَت من أُسطورة ليليت رمزًا للمرأَة الحرة الثائرة: "شيطانة الليل" التي تمنح المرأَةَ القوة.
المرأَة الأَفعى
في نص حديث أَنَّ ليليت رمزٌ لحديث بين آدم وحواء عن زوجته الأُولى ليليت، وكيف كانت تتسلَّل ليلًا لتقوم بأَعمال شريرة في العالم الأَرضي. وفي رمز آخر، أَن ليليت وحواء توأَمان في السعي إِلى إِغراء الرجل وإِغوائه. وبهذه الصورة الأَخيرة ظهرت أَشكالٌ من الوشم، وأَنواعٌ من الأَغاني مستوحاةٌ من أُسطورة ليليت، المرأَة الشريرة، المرأَة غير الوفية، المرأَة النهمة إِلى جميع أَنواع الشر، بإِغواء الرجُل، وتخريب علاقته بامرأَته، بزَوجته، بحبيبته، وبكلِّ سعادةٍ قد تأْتيه من أَيِّ مصدر.

من هنا أَنَّ رمزها، إِجمالًا بشكل أَفعى، يتكرَّرُ في جميع المصادر بأَنها المرأَةُ الثائرةُ المتمردةُ الرافضةُ أَيَّ شكلٍ من أَشكال الانصياع للرجل، للرجولة، للذُكورية السائدة في معظم المجتمعاتِ القاهرةِ المرأَة، الساحقتِها بأَسوإِ أَشكال الظُلْم والقهر والاستبداد.
"عودة ليليت"
بين أَجمل ما صدر من نصوص حديثة عن ليليت، شخصيةً وأُسطورةً ورمزًا، مجموعةُ "عودة ليليت" للشاعرة المتميِّزة جمانة حداد، ومنها هذا المقطع:
"أَنا العتمةُ الأُنثى، لا الأُنثى الضوء.
لن يحصيَني تفسيرٌ، ولن أَرضخَ لمعنى.
الميتولوجيا وَصَمتْني بالشرور، ورشقَتْني النساءُ بالرجولة.
لكني لستُ المسترجلةَ ولا المرأَةَ اللُعبة، بل اكتمالُ الأُنوثة الناقصة.
لا أَشنُّ حربًا على الرجال، ولا أَسرق الأَجنَّة من أَرحام النساء.
أَنا الشيطانةُ المطلوبة، صولجانُ المعرفة، وخاتم الحب والحرية.
أَنا الجنسان ليليت. أَنا الجنْس المنشود.
آخذُ لا أُعطى.
أُعيد آدمَ إِلى حقيقته، وإِلى حواء ثديَها الشرس ليستتبَّ منطق الخَلْق.
أَنا ليليت المخلوقةُ الندّ والزوجةُ الندّ:
ما ينقص الرجل كي لا يندم
وما ينقص المرأَة كي تكون".