ليلة حلاقة الذقون في بغداد... حين يصبح القسم حبراً على ورق
منذ عام 2003، لم تعد أزمة العراق تقتصر على الخلافات السياسية أو الانقسامات الطائفية، بل أصبحت أزمة في طبيعة الدولة نفسها، وفي العلاقة بين المنصب العام والمسؤولية العامة والفئة أو العرق. فالدولة التي يفترض أن تقوم على سيادة القانون، تحولت تدريجياً إلى ساحة تتنازعها الولاءات والمصالح، والمجموعات المسلحة، حتى بات الفساد جزءاً من المشهد اليومي، لا استثناء فيه، وعلى رؤوس الأشهاد.
من التسرع الحكمُ على ما يجري الآن من "الحملة على الفساد"؛ فالبعض يرى أنها "تصفية خصوم"، والبعض الآخر يراها "توزيعاً جديداً للقوة" بين أطراف مختلفة، لأنها ببساطة لم تصل إلى "الرؤوس الكبيرة" التي يعرف العراقيون كيف كانت وأين وصلت! فالطريق إذن طويلة...
يبدأ عضو مجلس النواب العراقي أو المسؤول الحكومي الكبير مهمته بقسم دستوري واضح لا يحتمل التأويل، فهو يقسم بالله أن يؤدي مسؤولياته بإخلاص، وأن يحافظ على استقلال العراق وسيادته، وأن يرعى مصالح شعبه، ويحمي ثرواته، ويصون الحريات، ويحترم استقلال القضاء، ويطبق القوانين بأمانة وحياد. وهذا القسم لا يفقد قيمته إذا أصبح النائب وزيراً أو رئيس هيئة أو مسؤولاً تنفيذياً، بل تزداد مسؤوليته، لأن القسم ليس إجراءً بروتوكولياً، وإنما عقد أخلاقيّ وسياسيّ بين المسؤول والدولة.
لكن ما كشفته الحملة الأخيرة لعدد من المسؤولين، والتي يمكن وصفها مجازاً بـ"ليلة حلاقة الذقون في بغداد"، أعاد إلى السطح مقولة عراقية قديمة كثيراً ما كانت تتردّد همساً: "حاميها حراميها". وهي عبارة مؤلمة، لكنها تعكس شعوراً عاماً ، بأن من أوكلت إليهم حماية المال العام، تحول بعضهم إلى المستفيد الأول منه. ومهما اختلفت نتائج التحقيقات، فإن مجرد وصول هذا العدد من المسؤولين إلى دائرة الاتهام، يكشف أن الخلل لم يعد فردياً، بل أصبح بنيوياً.
تجارب الدول تؤكد أن الفساد لا يولد فجأة، وإنما ينمو عندما تضعف مؤسسات الرقابة وتتراجع المحاسبة. وفي هذا السياق، يستحق التوقف عند مذكّرات رئيس وزراء كوريا الجنوبية الأسبق لي ميونغ باك في كتابه "الطريق الوعر"، حيث يروي تجربته عندما كان مديراً تنفيذياً في شركة هيونداي، وزار العراق في سبعينيات القرن الماضي، من أجل تسويق بضاعته. ويشير إلى أنه شاهد كثيراً من مظاهر القسوة والخلل الإداري، لكنه لم يلمس فساداً مالياً، لأن الخوف من العقاب كان يشكل رادعاً حقيقياً.
قد يختلف المرء مع طبيعة ذلك النظام، لكن الردع كان قائماً، بينما انهار هذا الردع بعد 2003، وحلّ محلّه شعور واسع بأن المنصب فرصة للغنيمة لا للتكليف. المفارقة أنه منذ 2003 لم يصدر قانون جديد لمحاربة الفساد، وسوف يحاكم من يقدم للمحاكمة، على أساس القانون القديم، وكان ينص على: "من طلب الرشوة يحكم بخمس إلى عشر سنوات". لم يكن المشرع وقتذاك يحلم بأن يصبح الفساد بالملايين!
مع الوقت، بعد 2003 ترسخ منطق خطير، وكأن كل ما يقع تحت يد المسؤول أصبح مباحاً له ولشبكة المحيطين به. لم يعد الأمر مقتصراً على تجاوزات فردية، بل نشأت منظومة كاملة من المنتفعين والوسطاء والحمايات السياسية، حتى أصبح الفساد، في نظر كثيرين، هو القاعدة، بينما تحولت النزاهة إلى الاستثناء.
واللافت أن تعريف الفساد نفسه ليس سهلاً. فالفقه القانوني يختلف في حدوده، كما أن بعض التشريعات تسمح بمخصصات أو نفقات سرية أو صلاحيات تقديرية للمسؤولين. وهذه المساحات قد تكون ضرورية في بعض الدول، لكنها تتحول إلى أبواب واسعة للهدر عندما تغيب الرقابة المستقلة، ويضعف القضاء، وتختلط السلطة بالمصلحة الخاصة.
لذلك، فإنّ سنّ قوانين جديدة - على أهميته - لا يكفي وحده. فالعراق لا يعاني من نقص في النصوص القانونية، وإنما من ضعف في تنفيذها. كما أن تعدد الهيئات الرقابية لم يمنع استفحال الظاهرة، لأن الإرادة السياسية بقيت أسيرة توازنات معقدة، تجعل الاقتراب من "الرؤوس الكبيرة" أمراً شديد الحساسية. ولهذا كثيراً ما تنتهي الحملات إلى معاقبة موظفين أو مسؤولين من الصفوف الوسطى، بينما تبقى مراكز النفوذ الحقيقية بعيدة عن المساءلة.
إن محاربة الفساد تبدأ عندما يقتنع الجميع بأن القانون يطبق على الجميع، لا على الخصوم فقط، وبأن الدولة لا تحتمل تعدد "فرق السلاح" وتعدد الولاءات الخارجية، الذي يجرح استقلالها، أما إذا بقيت الحصانات السياسية والمسلحة أقوى من سلطة الدولة، فإن أي حملة ستبقى موقتة، وسرعان ما ستعود الأمور إلى ما كانت عليه، تماماً كما يقول المثل العربي: "عادت حليمة إلى عادتها القديمة".
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن الواقع السياسي العراقي الأوسع، حيث تتشابك المصالح الحزبية مع نفوذ الميليشيات، وتتداخل الاعتبارات الوطنية مع المصالح الإقليمية، وفي مقدمها النفوذ الإيراني الذي تحوّل، عبر سنوات طويلة، إلى حضور مؤسّسي في عدد من مفاصل الدولة. وفي ظلّ هذا التشابك، يصبح اتخاذ قرارات حاسمة ضد الفساد أكثر صعوبة، لأن المواجهة لا تكون مع أفراد فقط، بل مع شبكات نفوذ تمتلك أدوات سياسية وأمنية واقتصادية.
يبقى القسم الدستوري واحداً من أجمل النصوص في الحياة السياسية العراقية، لكنه لا يكتسب قيمته من الكلمات، بل من الالتزام بها.