“لوموند”: نحو 700 طبيب مغربي يغادرون البلاد سنويا وسط تفاقم الخصاص في الموارد البشرية الصحية

يغادر نحو 700 طبيب مغربي البلاد سنويا للعمل في الخارج، في ظاهرة تعكس تحديات متزايدة يواجهها النظام الصحي المغربي، في وقت يقدر فيه احتياج المملكة إلى نحو 28 ألف طبيب، وفق معطيات أوردتها صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وأوضحت الصحيفة، في تقرير للصحافية ندى ديدوح نشرته في 8 يوليوز 2026 ، أن ما يقارب ثلث خريجي كليات الطب في المغرب يغادرون البلاد كل عام، وفقا للمنظمات المهنية الممثلة للقطاع، مشيرة إلى أن هذا الرقم قد يكون أقل من الحجم الفعلي للهجرة، بالنظر إلى أن بعض الطلبة يغادرون البلاد للتخصص في الخارج ولا يعودون إليها، بينما يخطط آخرون للهجرة المهنية منذ بداية مسارهم الدراسي.

 

ونقلت «لوموند» عن الخبيرة في ديناميات الهجرة والأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، جميلة شقروني، أن الظاهرة لا تمثل موجة ظرفية، وإنما تعكس «اتجاها طويل الأمد»، تغذيه في الوقت نفسه صعوبات النظام الصحي المغربي وتزايد الطلب على الكفاءات الطبية في عدد من الدول الأجنبية.

وبحسب المصدر ذاته، تحتل فرنسا المرتبة الأولى ضمن وجهات الأطباء المغاربة الراغبين في العمل بالخارج، تليها كندا وبلجيكا وألمانيا ودول الخليج. ولا ترتبط هذه الهجرة، وفقا لشقروني، بمستوى الأجور فقط، وإنما أيضا بظروف ممارسة المهنة، وآفاق التطور المهني، وتوفر التجهيزات والموارد البشرية، إضافة إلى سياسات استقطاب الكفاءات الطبية التي تعتمدها الدول التي تعاني بدورها من نقص في الأطباء.

ظروف العمل تدفع إلى الهجرة

وتقدم الصحيفة شهادات لطلبة وأطباء مغاربة توضح، بحسب التقرير، بعض أسباب الرغبة في مغادرة البلاد.

وتقول طالبة في السنة السابعة بكلية الطب والصيدلة بوجدة، عرّفت باسم مستعار، إنها كانت في بداية دراستها ضمن أقلية تفكر في الهجرة، قبل أن يصبح التوجه إلى الخارج، وفق روايتها، خيارا شائعا بين زملائها. وتعتزم الطالبة متابعة تكوينها في بلجيكا بعد التخرج.

وتربط الطالبة قرارها بما عاينته خلال التداريب بالمستشفيات، متحدثة عن نقص في بعض الأدوية والمعدات الأساسية، وعن صعوبات في توفير شروط الإنعاش والعلاج التي تعتبرها ضرورية لممارسة الطب.

وتشير «لوموند» إلى أن تجربة عدد من الطلبة في مستشفيات أوروبية عززت لديهم الرغبة في الاستقرار بالخارج، بعدما اكتشفوا، بحسب شهاداتهم، اختلافا في ظروف العمل وتوفر التجهيزات الطبية.

لكن الهجرة لا تضمن بالضرورة الاستقرار المهني في الخارج. ويورد التقرير حالة طبيبة مغربية عادت إلى المملكة سنة 2024 بعد عامين من التخصص في الولايات المتحدة، بسبب صعوبات إدارية مرتبطة بتمديد تأشيرتها. وتقول الطبيبة، التي تعمل حاليا في مناطق قروية، إنها وجدت نفسها أمام صعوبات كبيرة في ممارسة مهنتها بسبب محدودية التجهيزات والموارد المتاحة.

وبحسب شهادتها، فإن بعض المناطق التي تسجل أكبر حاجة إلى الأطباء تعاني في المقابل من ضعف البنيات الصحية ونقص التجهيزات الأساسية، الأمر الذي يجعل الطبيب، وفق تعبيرها، يعمل ضمن ما وصفته بـ«نظام تدبير الأزمات» بدلا من ممارسة الطب في ظروف مهنية ملائمة.

خصاص بنحو 28 ألف طبيب

وتأتي هذه الهجرة في وقت يعاني فيه المغرب أصلا من خصاص كبير في الموارد البشرية الصحية.

ووفقا لتقرير لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية صدر في يونيو، يقدر الاحتياج الإجمالي من مهنيي الصحة خلال الفترة 2025-2026 بنحو 83 ألف منصب، من بينها قرابة 28 ألف منصب لفائدة الأطباء.

وترى الخبيرة جميلة شقروني أن استمرار مغادرة الأطباء يؤدي إلى تفاقم الضغط على الأطباء الموجودين في الخدمة، وإطالة آجال الحصول على العلاج، فيما تتحمل المناطق القروية والنائية الجزء الأكبر من آثار هذا النقص.

كما تصبح بعض التخصصات الطبية، التي تحظى بطلب مرتفع في الخارج، أكثر عرضة للاستنزاف، ما قد يزيد من صعوبة سد الخصاص داخل المنظومة الصحية الوطنية.

وتحذر شقروني من حلقة مفرغة تتمثل في تدهور ظروف العمل بالنسبة إلى الأطباء الذين يختارون البقاء، وهو ما يزيد بدوره من جاذبية الهجرة لدى الأجيال الجديدة من خريجي كليات الطب.

إصلاحات لم توقف نزيف الكفاءات

وتأتي أزمة هجرة الأطباء في سياق نقاش متواصل حول إصلاح المنظومة الصحية المغربية، ولا سيما بعد الاحتجاجات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

وكانت وفاة ثماني نساء عقب خضوعهن لعمليات ولادة قيصرية بالمركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني بأكادير في غشت 2025 قد أثارت موجة من الغضب والجدل العام، وساهمت في تصاعد احتجاجات قادها شباب ضمن حراك «GenZ 212».

وعلى إثر ذلك، أعلنت الحكومة عن إجراءات لتعزيز الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل وتطوير البنيات والتجهيزات الصحية، غير أن التقرير يعتبر أن جزءا من هذه الالتزامات لم ينعكس بعد بشكل ملموس على ظروف ممارسة الأطباء لعملهم.

وتشير «لوموند» كذلك إلى أن المغرب كان يخصص نحو 6 في المائة من ناتجه الداخلي الإجمالي للصحة سنة 2022، وهو مستوى قالت إنه يظل دون بعض التوصيات والمعايير الدولية، بينما ظل القطاع الصحي لفترة طويلة في مرتبة أدنى من قطاعات أخرى ضمن أولويات الاستثمار العمومي.

خسارة مزدوجة للنظام الصحي والاقتصاد

ولا تقتصر تداعيات هجرة الأطباء، بحسب التقرير، على النقص المباشر في الموارد البشرية، وإنما تمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضا، بالنظر إلى الاستثمارات التي تخصصها الدولة لتكوين الأطباء قبل انتقال جزء منهم إلى أنظمة صحية أجنبية.

وترى شقروني أن مغادرة الطبيب تمثل خسارة للاستثمار العمومي في تكوينه، في الوقت الذي تستفيد فيه الدول المستقبلة من كفاءات تم تكوينها في المغرب.

لكنها تؤكد أن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تقوم أساسا على منع الأطباء من المغادرة، وإنما على معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك، عبر توفير ظروف مهنية أفضل وآفاق للتطور والعودة.

ويكشف هذا الوضع، وفق التقرير، عن مفارقة تتمثل في حاجة المغرب المتزايدة إلى الأطباء في الوقت الذي يستمر فيه جزء مهم من خريجي كليات الطب في النظر إلى الهجرة باعتبارها وسيلة للحصول على ظروف أفضل لممارسة المهنة.

وتطرح هذه المعطيات بالتالي تحديا مزدوجا أمام إصلاح المنظومة الصحية: تكوين عدد أكبر من الأطباء، من جهة، والاحتفاظ بالكفاءات الموجودة داخل البلاد من جهة أخرى، بما يضمن تحويل الاستثمار في التكوين الطبي إلى خدمة مستدامة للمنظومة الصحية الوطنية.

اقرأ المقال كاملاً على لكم