لوح لعب أثري مغربي يفتح نافذة على أنشطة الترفيه في العصور الوسطى

سلطت دراسة حديثة، نُشرت ضمن العدد الأخير من مجلة “دراسات ليبية”، الصادرة عن “المعهد البريطاني للدراسات الليبية وشمال إفريقيا” والمنشورة عن دار نشر جامعة “كامبريدج”، الضوء على لوح لعبة يعود إلى القرون الوسطى، عُثر عليه بموقع وليلي الأثري بالمملكة المغربية، مُبرزة أن تصميم اللوح يشير إلى أنه كان يُستخدم للعب لعبة “السيج” التقليدية التي انتشرت بشكل واسع في شمال إفريقيا وبعض أجزاء شبه الجزيرة العربية.

وذكرت الدراسة، التي ألفها الباحث حسن ليمان من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، إلى جانب الباحثين تيم بين وكوريساند فينويك من كل من جامعة “ريدنغ” ومعهد الآثار التابع لجامعة لندن في بريطانيا، أن “ألعاب الطاولة تظهر بشكل متكرر في الأدب العربي أوائل العصور الوسطى، مما يعكس جذورها العميقة في الحياة اليومية والخطاب الاجتماعي؛ غير أنه، على الرغم من وفرة الأدلة النصية والمادية، لا تزال بقايا وآثار الألعاب في السياقات الإسلامية غير مدروسة بشكل كافٍ، إذ يرجع ذلك جزئيا إلى ندرة ألواح الألعاب المنحوتة التي يمكن تأريخها بشكل موثوق”.

وأوضحت الدراسة ذاتها أن “الدراسات المستفيضة حول الألعاب الرومانية وألعاب العصور القديمة المتأخرة تُظهر أن اللعب كان ركيزة أساسية في الحياة الحضرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تكشف ألواح الألعاب عن كيفية استخدام الناس للمساحات العامة التي كانوا يقضون فيها أوقاتهم للعب؛ غير أن معظم العمل ركز على شرق البحر الأبيض المتوسط، في حين نالت الأدلة في شمال إفريقيا اهتماما أقل”.

وتابعت الوثيقة أن “الأبحاث في المغرب عانت من الإهمال، ولا توجد دراسات شاملة منشورة حول ألواح الألعاب أو الثقافة المادية المرتبطة بها. ولا تُعرف ألواح الألعاب إلا في موقعين فقط: في ‘وليلي’، وفي ‘شالة’، إذ يمكن على الأرجح تأريخ الألواح الشبكية إلى العصر الروماني بناء على الاعتبارات النمطية، حيث يمكن ربط الشبكات بهذا الحجم بيقين بلعبة (ludus latrunculorum)، وهي لعبة استراتيجية يحاول فيها كل لاعب أسر قطع الخصم بحصرها بين قطعتين من قطعه”.

وأكدت أن “الاهتمام المحدود الذي يوليه علماء الآثار الإسلامية في شمال إفريقيا وأماكن أخرى للألعاب ينبع من الصعوبات في تأريخ ألواح ألعاب الغرافيتي التي عُثر عليها في المساحات العامة ومنشآت الترفيه في المواقع الحضرية”، مبرزة أن “هذه الألواح مفيدة؛ لأن تخطيطها يمكن أن يكشف عن اللعبة التي كانت تُلعب عليها. ومع ذلك، فإن تحديد تواريخ مؤكدة يُعد أمرا صعبا؛ لأن معظمها لا يمكن تأريخه إلا من خلال الحد الأقصى للبداية الزمنية، أي تاريخ بناء السطح الذي نُحتت فيه”.

وشددت على أن “اللوح المعثور عليه في حمام موقع ‘وليلي’ يُوفّر دراسة حالة قيمة لاستكشاف الألعاب في شمال إفريقيا خلال العصر الوسيط المبكر، بحيث يظهر التحليل الدقيق أن الحمام بُني في أواخر القرن الثامن، وهُجر على الأرجح بحلول القرن العاشر أو الحادي عشر على أقصى تقدير؛ مما يُوفّر تسلسلا زمنيا ثابتا للوحة اللعب نفسها، والتي هي على الأرجح اللعبة التي تُسمى اليوم “التاب” أو “السيج” والتي لا تزال تُلعب في أجزاء من شمال إفريقيا، على الرغم من أن التفسير البديل – وهو لعبة “المنقلة” – لا يمكن استبعاده بشكل نهائي”.

في سياق متصل، أوضحت الوثيقة أنه “إذا كانت لوحة الألعاب قد استُخدمت للعب ‘التاب’ أو ‘السيج’، فإن هذا يُعد أقدم دليل على تلك اللعبة في شمال إفريقيا، ويشير إلى أن لها تاريخا أطول بكثير في المنطقة مما كان يُعتقد سابقا”، مؤكدة أن “مدينة وليلي أصبحت، بعد الفتح الإسلامي للمغرب في أوائل القرن الثامن، مقرا لقبيلة أوربة البربرية التي اعتنقت الإسلام، قبل أن يصل إدريس الأول، وهو فرد من الأسرة العلوية ومن نسل النبي، إلى المدينة بعد فراره من الحجاز، وبايعه زعيم قبيلة أوربة إماما. وقام بعدها بحملات عسكرية مع حلفائه البربر الجدد، وأصبحت وليلي مركزا لواحدة من أوائل الدول الإسلامية المستقلة في شمال إفريقيا”.

وخلص مؤلفو الدراسة إلى أن “ممارسات الألعاب في غرب البحر الأبيض المتوسط الإسلامي لا تزال غير مستكشفة بما فيه الكفاية. وهناك حاجة واضحة إلى توثيق ونشر ألواح الألعاب بشكل أكثر منهجية، فضلا عن قطع الألعاب المحمولة (النرد، والفيش، وما إلى ذلك) عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط وخارجها. وتُغفل غالبا ألواح الغرافيتي والنحوت العفوية في تقارير التنقيب التقليدية، على الرغم من أنها تقدّم رؤى قيّمة حول السلوك الاجتماعي ووقت الفراغ واستخدام المساحة المشتركة”.

The post لوح لعب أثري مغربي يفتح نافذة على أنشطة الترفيه في العصور الوسطى appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress