لماذا يحتاج لبنان إلى منصّة وطنيّة شاملة لإدارة التعلّم، الآن؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 


د. محمّد ماجد *

 

في الخامس من كانون الأوّل/ديسمبر 2022 نشرت مقالة في "النهار" عنوانها: "التعليم في زمن التعقيم!"، داعياً إلى إنشاء منصّة تعليميّة رقميّة بِعدّها ركيزة من ركائز التربية المتطوّرة في عالم اليوم، وبيّنت أنّ كلفتها زهيدة وفوائدها عظيمة، ولا سيّما في الأزمات وانقطاع التعليم الحضوريّ، كما هو الحال اليوم في ظلّ الحرب. لم يلتفت أصحاب القرار التربويّ إلى ما اقترحته يومها، فهل يستمعون اليوم؟ 

 

ما وراء الحلول السريعة لأزمة التعليم

 

لم يعد ممكناً تفسير أزمة التعليم في لبنان بوصفها نقصاً في الأدوات، بل هي، في جوهرها، أزمة رؤية وإدارة. فاللجوء إلى منصّات التواصل المرئيّ، مثل Microsoft Teams، واستخدامها حصراً كشاشات بثّ مباشر، أو تواصل من بُعد خلال الأزمات، لم يكن سوى استجابةٍ اضطراريّة حافظت على الحدّ الأدنى من الاستمراريّة، من دون أن تُنشئ تعلّماً فعليّاً.

 

فالتعليم ليس بثّاً مباشراً للمعلومات، ولا هو إرسال بيانات، بل بناء معرفيّ Knowledge Construction منظَّم، يتطلّب منظومة تضبط المسار، وتقيس التقدّم، وتوفّر تغذية راجعة مستمرّة. وهنا تحديداً تتبدّى الفجوة بين "التواصل" و"إدارة التعلّم".

 

المنصّة الشاملة: من أداة إلى منظومة

 

إنّ الحديث عن منصّة وطنيّة لإدارة التعلّم Learning Management System - LMS ليس ترفاً تقنيّاً، بل هو تحوّلٌ في بنية النظام التعليميّ ذاته، وهذا ما يحدث في العالم، في الأزمات والأحوال العاديّة. فالمنصّة الشاملة لا تقتصر على تحميل الدروس، بل تنهض بوظائف متكاملة:

  • تنظيم المحتوى وفق مسارات تعلّم Learning Pathwaysواضحة.
  • ربط كلّ نشاط بنواتج تعلّم قابلة للقياسLearning Outcome.
  • تتبّع تقدّم المتعلّم لحظةً بلحظة عبر تحليلات التعلّم Learning Analytics.
  • تمكين التقييم الأصيل Authentic Assessment، مثل ملفّات الإنجاز E-Portfolios والتقييم بالأقران Peer Assessment.

وبذلك تتحوّل المنصّة إلى "بنية تحتيّة تربويّة" لا إلى مجرّد أداة عرض.

 

نماذج قائمة… 

 

العالم لا يبدأ من الصفر؛ ثمّة تجارب ناضجة، مثالاً لا حصراً، يمكن الإفادة منها مباشرة:

  •  Moodle منصّة مفتوحة المصدر تُستخدم في جامعات ومؤسّسات حكوميّة حول العالم، وتمتاز بإمكانيّة التخصيص Customization، ما يجعلها خياراً عمليّاً وسريع التنفيذ في السياق اللبنانيّ. 
  •  Canvas LMS تستخدم على نطاق واسع في العديد من الجامعات الأميركيّة والدوليّة، لا سيّما المؤسّسات التي تتبنّى نماذج التعلّم القائم على النتائجOutcome-Based Education، حيث يوفّر أدوات متقدّمة لربط المقرّرات بنتائج التعلّم ومعايير الجودة.
  • Alef Platform مثال عربيّ على التعلّم الشخصيّ المدعوم بالذكاء الاصطناعيّ وأحدث التقنيات التعليميّة القائمة على تحويل الدّروس التقليديّة إلى تفاعليّة، والبيانات إلى قرارات تربويّة فوريّة. يمكن القول بثقة إنّ النموذج الإماراتيّ حقّق نتائج تعليميّة من حيث النواتج والإدارة التربويّة بشموليّة وكفاءة عالية، واستلهام تجربته الرّائدة مفيد جدّاً.

 

الدلالة الأهمّ أنّ المنصّة ليست فكرة نظريّة، بل نموذج مطبَّق قابل للنقل والتكييف.

 

هل التنفيذ صعب فعلاً؟

 

السؤال ليس: هل نستطيع؟ بل: هل نريد؟

من الناحية التقنيّة، يمكن إطلاق منصّة وطنيّة خلال فترة وجيزة نسبيّاً إذا توفّرت ثلاثة شروط أساسيّة:

  • اختيار قاعدة جاهزة: اعتماد منصّات إدارة التعلّم Learning Management Systems - LMS مفتوحة المصدر يختصر سنوات من التطوير ويقلّل الكلف الماليّة بصورة كبيرة.
  • نشر سحابيّ مرن: استخدام بنية سحابيّة Cloud Infrastructureيتيح سرعة الإطلاق وقابليّة التوسّع، مع إمكانيّة تفعيل نمط العمل من دون اتصال بالشبكة Offline Mode عبر التطبيقات المحمولة، بما يواكب تحدّيات انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت في لبنان.
  • فريق وطنيّ صغير عالي الكفاءة: مجموعة محدودة من الاختصاصيّين (تقنيّين وتربويّين) قادرة على الإطلاق الأوّليّ للمنصّة، على أن يتبع ذلك توسّع تدريجيّ وفق الحاجة والتجربة الميدانيّة.

    وعليه، فإنّ العائق الحقيقيّ ليس ماليّاً بالدرجة الأولى، بل إداريّ - تنظيميّ.

     

    الكلفة الحقيقيّة: غياب المنصّة

    في المقابل، يؤدّي الاستمرار في الاعتماد على حلول مجتزأة إلى كلفة خفيّة مرتفعة:

    • تشتّت المحتوى بين أدوات غير مترابطة.
    • غياب بيانات وطنيّة دقيقة حول التعلّم.
    • صعوبة قياس الفجوات التعليميّة ومعالجتها.
    • إعادة إنتاج اللامساواة بين المتعلّمين.
    • إنّ كلّ يومٍ يمرّ من دون منصّة شاملة يمثّل خسارةً تراكميّة في جودة التعليم.

       

      من الطارئ إلى المنظوميّ

       

      التحوّل المطلوب ليس رقميّاً فحسب، بل تربويّ في العمق. فالمنصّة الوطنيّة تمكّن من:

      • انتقال المعلّم من دور الملقّن إلى دور الموجّه والميسّر.
      • تفعيل التعلّم الذاتيّ والمستمر.
      • إدماج مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقديّ Critical Thinking، ضمن بنية قابلة للقياس لا مجرّد شعارات.
      •  

        الخلاصة: القرار قبل التكنولوجيا 

        لبنان لا يحتاج إلى اختراع جديد، بل إلى قرار واضح. فالمنصّة الوطنيّة لإدارة التعلّم مشروع قابل للإطلاق السريع، وبموارد محدودة نسبيّاً، إذا توافرت الإرادة السياسيّة والرؤية التربويّة.

        لم تعد المسألة تقنيّة فحسب، بل هي مسألة سيادة تربويّة ورقميّة، تضمن حماية بيانات المتعلّمين وصون القرار التعليميّ الوطنيّ (الاعتماد على شركات مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" يطرح تساؤلات بشأن خصوصيّة بيانات المتعلّمين والإدارة التربويّة)، فضلاً عن توفير أعلى مستويات التعلّم الذاتيّ والموجّه ومن ضمن الإمكانات الموجودة.

        إمّا الاستمرار في إدارة الأزمة بأدوات متفرّقة، أو الانتقال إلى بناء منظومة تعليميّة رقميّة متكاملة تضع المتعلّم في مركزها. والفارق بين الخيارين ليس الزّمن ولا المال… بل القرار.

         

         

        * متخصّص في المناهج وتصميم التعلّم الرقميّ


         

        اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية