لماذا يبقى حزب الله في حكومة يصفها بـ"الفاشلة"؟
منذ تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، لم يتوقف "حزب الله" عن توجيه الانتقادات الحادة إليها، سواء عبر قياداته أو من خلال قناة "المنار" التي تصفها تكرارا بأنها حكومة "فاشلة" و"عاجزة" و"خاضعة للإملاءات الخارجية"، بل وتذهب أحياناً إلى اتهامها بالتآمر عليه. إلا أن المفارقة تكمن في أن الحزب، على الرغم من هذا الخطاب التصعيدي، لا يبدي أي نية للاستقالة من الحكومة أو الدفع نحو إسقاطها.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً سياسياً أساسياً: إذا كان الحزب يرى أن الحكومة تعمل ضده، فلمَ يتمسك بالبقاء فيها؟
الواقع أن حسابات السلطة تختلف عن الخطاب الإعلامي. فالحزب يدرك أن كلفة الخروج من الحكومة في هذه المرحلة تفوق بكثير المكاسب التي قد يحققها من الانتقال إلى المعارضة.
النفوذ من الداخل أهم من المعارضة
أولى هذه الحسابات أن البقاء في الحكومة يعطي "حزب الله" أدوات تأثير لا يستهان بها. فمن خلال وزرائه وحلفائه يستطيع المشاركة في صنع القرار التنفيذي، أو الاعتراض على بعض القرارات، أو تعديلها، أو حتى تأخيرها إذا تعارضت مع مصالحه، ولا سيما في الملفات الأمنية والمالية والإدارية والتعيينات.
أما الخروج من الحكومة، فيعني خسارة هذا الهامش من النفوذ، والتحول إلى معارضة سياسية من خارج السلطة، من دون امتلاك أدوات دستورية مباشرة للتأثير في قرارات مجلس الوزراء.
وفي الوقت نفسه، يتجنب الحزب تحمل مسؤولية إسقاط الحكومة في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يحتاج لبنان إلى الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية والدولية، لأن أي فراغ حكومي جديد سيحمّل، داخلياً وخارجياً، الجهة التي تتسبب به مسؤولية تعميق الأزمة.
لا أكثرية لتأليف حكومة بديلة
إلى ذلك، يدرك الحزب أن موازين القوى النيابية لم تعد كما كانت في السنوات الماضية. فهو لا يملك اليوم أكثرية تتيح له فرض حكومة جديدة أقرب إلى خياراته السياسية، كما كان الحال في حكومات سابقة، ومنها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كان فيها هامش نفوذه داخل السلطة التنفيذية أوسع.
وتاليا، فإن إسقاط حكومة نواف سلام لا يعني حكماً ولادة حكومة أكثر قرباً من الحزب، بل قد يقود إلى فراغ حكومي طويل أو إلى حكومة أكثر تشدداً تجاهه، وهو سيناريو لا يبدو أنه يخدم مصالحه في المرحلة الحالية.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن المشهد الإقليمي والدولي. فالحرب الأخيرة على إيران وما رافقها من تحولات في موازين القوى، إضافة إلى استمرار الضغوط الأميركية والأوروبية والعربية على لبنان في ملفات الإصلاح، والسلاح، والعلاقة مع المجتمع الدولي، تجعل فتح مواجهة داخلية لإسقاط الحكومة خطوة عالية الكلفة.
وفي ظل هذا المناخ، فإن الاستقالة جماعية أو إسقاط الحكومة قد يُفسَّران خارجياً على أنهما تعطيل متعمد للمؤسسات الدستورية، بما يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على لبنان، ويضع الحزب في موقع المتهم بإفشال عمل الدولة في لحظة يحتاج فيها البلد إلى استعادة الثقة الدولية.
تجنب توتير الساحة السنية
ومن الأسباب التي لا تبدو أقل أهمية، البعد الداخلي المتصل بالتوازنات الطائفية. فالرئيس نواف سلام يحظى بغطاء سياسي واسع داخل البيئة السنية، وأيّ محاولة لإسقاط حكومته قد تُفسَّر لدى فئة واسعة من السنّة على أنها استهداف للموقع السني الأول في السلطة التنفيذية بعد اتفاق الطائف.
وفي ظل الحساسية التي تحكم العلاقات الداخلية، لا يبدو أن الحزب يرغب في خطوة قد تعيد شد العصبيات المذهبية أو تعيد إنتاج مناخ المواجهة السنية – الشيعية، بما يحمله ذلك من انعكاسات سياسية وأمنية لا يحتاج إليها لبنان في هذه المرحلة.
يضاف إلى ذلك أن الحزب لا يريد الخوض في مواجهة مع حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يفضّل تقليدياً الحفاظ على عمل المؤسسات الدستورية وإدارة الخلافات من داخلها، لا عبر إسقاطها والدخول في فراغ سياسي قد يصعب الخروج منه.
كما أن تحميل الحزب مسؤولية إدخال البلاد في أزمة حكومية جديدة سيمنح خصومه في الداخل والخارج ورقة سياسية إضافية في مواجهة مشروعه.
التصعيد وسيلة ضغط... لا مقدمة للاستقالةفي المقابل، يبدو أن الحزب يعتمد استراتيجية تقوم على الفصل بين الخطاب السياسي وإدارة السلطة. فهو يحتاج إلى خطاب تصعيدي يطمئن جمهوره إلى أنه لا يتراجع أمام الضغوط المتعلقة بالسلاح أو بالعلاقة مع إيران، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن البقاء داخل الحكومة يوفر له أدوات تأثير لا يستطيع تعويضها إذا انتقل إلى المعارضة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الهجوم الإعلامي على الحكومة عن أسلوب الحزب في إدارة التفاوض السياسي. فرفع سقف المواجهة لا يعني بالضرورة السعي إلى إسقاط الحكومة، بل قد يكون وسيلة للضغط عليها وتحسين شروط التفاوض معها في الملفات الخلافية، سواء المرتبطة بالسلاح أو بالتعيينات أو بالقرارات التي يرى أنها تمس نفوذه داخل الدولة.
لهذا، يبدو أن الحزب يفضل اليوم إدارة الصراع من داخل السلطة لا من خارجها، مستفيداً من وجوده في الحكومة للحفاظ على نفوذه، وفي الوقت نفسه رافعاً سقف خطابه السياسي والإعلامي لإظهار تمسكه بثوابته أمام جمهوره.
وبذلك، فإن حكومة سلام لا تبدو بالنسبة إلى "حزب الله" حليفة، لكنها أيضاً ليست حكومة يرغب في إسقاطها. فهي بالنسبة إليه ساحة لإدارة التوازنات والصراع السياسي أكثر منها خصماً يجب إسقاطه، لأن كلفة الخروج منها في الظروف الداخلية والإقليمية الراهنة قد تكون أكبر بكثير من كلفة البقاء داخلها.