لماذا نفاوض أو لا نفاوض؟
المحامي حسام الجواد
في موضوع التفاوض مع العدو، المسألة الطارئة حالياً والتي يشكل الإختلاف عليها ما يشبه فتيل تفجيرٍ كبير، لا بد قبل التخوين من جهة والإتهام باستغلال حالة العداء للحفاظ على مكتسبات (حزبية) لا طائفية، كما يقال، التمعّن في النظر في كل المفردات.
لماذا لا للتفاوض مع العدو؟
التفاوض هو طريق طبيعي لحل نزاعٍ بين فريقين أو أكثر حول موضوعٍ أو اكثر، هو طريق هادئ لا يتحمل مخاطر كبيرة إذا حصل في ظروفٍ ملائمة بهدف تفكيك موضوع النزاع في لحظةٍ يتساوى فريقاه قوةً وإمكانية.
ترى فئة من الناس من اللبنانيين أن إسرائيل شر مطلق، لا خير فيها ويقتضي العمل على إزالتها لما تمثل من قوةٍ غاصبة لأرضٍ عربية محاذية، هي كيان ذو وجهٍ غير أخلاقيٍّ بطبيعته، خطر، طامح للتوسع ولاحتلال ما حوله من بلاد تحقيقاً لنبوءةٍ يعتقدها. هذا ما تراه هذه الفئة وما نشأت عليه، هذه الفئة لا تنحصر بطائفةٍ أو مذهبٍ أو بقعةٍ وإن تركزت بحسب الجغرافيا في جماعةٍ معينة.
التفاوض مع هذا الكيان يعتبر بالنسبة الى هذه الجهة خيانةً للعقيدة والأفكار المذكورة، انتهاكاً لإيمانهم بها وربما لحقهم الدستوري في هذا الإعتقاد غير الغريب عن الدستور اللبناني والميثاق الوطني، ترى هذه الفئة أن الكيان طارئ ويجب أن يبقى كذلك حتى لحظة زواله، وأن التفاوض معه يقتل الفكرة المعمّرة.
وقد يقول قائل أن ثمة من يعارض مبدأ التفاوض (كالحزب) للمحافظة على مكتسباته الخاصة في الساحة اللبنانية التي تشكل امتداداً للعقيدة الإيرانية التي تستعمل هذه الجماعة.
لماذا نعم للتفاوض؟
ينطلق مؤيدو التفاوض من أكثر من منطلقٍ في موقفهم:
البعض يسير بالواقعية السياسية فيعتبر أن ثمانين عاماً قد ضاعت سدىً في مقاطعة إسرائيل ومحاربتها، تكبد لبنان في خلالها خسائر بشريةً ومادية لا تعوض وفرص تقدم وتنمية أهدرت، وعاش حرباً أهلية عبثية وتعرض للتدمير مراراً. الواقعية تنطلق من إدراك العجز عن التفوق على العدو، وترى السلام معه مسبباً لمكاسب عدّة على مستوى الإقتصاد والتنمية والعقد الإجتماعي.
وينطلق البعض الآخر من زاويةٍ أكثر ضيقاً، يرى السلام انتصاراً له على الخصم الداخلي الذي استفاد من حظوة السلاح والحضور السوري قبل 2005 وربما فرصة في الإنتقام أو الإقتصاص من هذا الخصم، هذا السلوك ليس غريباً عن السلوك السياسي اللبناني.
وهناك من يريد من السلام انتقالاً من محورٍ إلى آخر، يفضل هؤلاء العيش تحت خيمة النمط الغربي بكل تفاصيله، بجنونه وتغوله وابستينيته، هؤلاء يريدون السلام مع أكثر أعداء الإنسانية بشاعةً ويريدون منهم أن يقتلوا إخوانهم في الوطن.
يستحق لبنان أن يعيش السلام،
بعد مقتلة غزة ونكبة لبنان وصيرورته آخر من يحمل البندقية والقضية، على الواقعية أن تتقدّم بحذر، تقدم لا يفضي إلى حربٍ أهلية، وأول خطوات التقدّم ينبغي أن تكون طمأنة اللبنانيين ابتداءً بأهل الجنوب أنهم سيكونون بأمان، طمأنة أهل الجنوب ستدفعهم إلى البحث عن المستقبل الهادئ، لن تكون البندقية غايةً في ذاتها بل ستكون موضع نقاشٍ في الجنوب نفسه.
التفاوض للتوصل إلى هدنةٍ لا أقل ولا أكثر،هو التفاوض المطلوب، هدنة تتضمن انسحاباً تاماً من الأراضي اللبنانية وتحريراً للأسرى وإعادة إعمار قرى الجنوب وعودة أهلها إليها، التفاوض للسلام والتطبيع يشبه البناء على أرضٍ مائعة، سينهار لو بعد حين.
ربما يبدو الشيعة حالياً هم وحدهم الفئة "الرافضة" التفاوض، بينما الواقع يشهد أن بين الشيعة أنفسهم هناك تخاطب صامت وتوارد أفكار وقبول بمبدأ التفاوض من أجل الهدنة، وأن بين السنة وربما غيرهم من أطياف هذا البلد فئات ومجموعات رافضة مثل هذا التفاوض.
الوقوف ضد الحكومة في موضوع التفاوض هو حق مشروع طالما بقي تحت سقف السلم الأهلي، وهو وقوف بوجه الطرح نفسه وليس بوجه رئيس الحكومة السني، وبالتالي فإن الوقوف مع الحكومة يجب أن يكون دعماً لخيار التفاوض لا دعماً لرئيس الحكومة السني الذي لم يظهر نفسه بهذا المظهر قط.
إذا كانت صبغة المعارضة للتفاوض شيعيةً بشكلها العام، فإن الداعين إلى التفاوض هم من جميع طوائف لبنان ومذاهبه، وبالتالي فإن النزال في ساحة الشهداء إن حصل، وقد حصل، ليس نزالاً شيعياً- سنياً كما يجري العمل على تظهيره إنما هو نزال شيعي الصبغة بوجه السلطة التنفيذية (رئيس جمهورية وحكومة ورئيس حكومة) وربما بوجه سواهم.