لماذا نتناول الماضي؟
كثير هم الذين انتقدوا رجوع المسلمين دائمًا للحديث عن ماضيهم، وربطوا تخلّف العقل العربي المسلم، بانحصاره في “سجونه”، كما فعل المفكّر المصري طارق حجي في كتابه “سجون العقل العربي” (1)، على نقيض من عبد الحميد أحمد أبو سليمان، الذي حلّل العقل المسلم، من خلال تناوله للأمة الإسلامية منذ بداياتها التاريخية، وما لحقه من ترهّل، في كتابه “أزمة العقل المسلم” (2).
أكيد أنّ دراسات هؤلاء الأكاديميّين كانت تروم البحث عن الخلل المعيق، لانعتاق هذا العقل من أغلال الجمود والتّقليد، وبالتالي تحسين مردوديته الحضارية، أمام تحدّيات العصر الراهن. كل هذا مفهوم ومرغوب، لكن ثمة مفْصل دقيق، يحدّد الفرق ما بين طروحات هؤلاء الأكاديميّين وعامّة الناس، الذين يتساءلون عن السّبب الكامن وراء تناولنا للماضي. يقولون: أليست “تلك أمّة قد خلت”؟ لماذا ننْبُش قبور الأموات؟ فيُمثّلون بأنموذج الغرب “الذي انعتق من ربَقة الماضي ومخلّفاته، وسار يركب أمواج المدنيّة والحضارة…”.
أجل، كثير هم الذين يتساءلون؛ وهو من حقّهم ما دام التّساؤل ركيزة من ركائز التّنوير، عن جدوى الجدل حول ما “فات ومات” من أحداث تاريخية، وهذا طبيعي.. لكن الملاحظ أنّ تساؤلاتِهم قد تكون مشوبةً بتخوّف باطني، يخْتلج أنفسهم؛ كأنما يقولون في نفس الوقت: إنّ هاهنا الفتنة “ملعونٌ من أيْقضها”، وأنّ تناول الماضي سيؤدي إلى طائفية وفُرْقة وسوريا، وشريط طويل عريض من المسمّيات المرصّعة من طرف اللّاسبقين.
أولئك الأوائل الذين نصحونا “بإقْبار ما شجَر بين الصّحابة”، واغتنموا “مأْزق” الفتنة التي يسمّونها “كبْرى”، لكي تتحوّل إلى حيّةٍ كبْرى، تنْتصب لكي تُخيف العقل العربي المسلم وبالتّتابع العقل الأمازيغي، كلما أراد الفهم والاستفسار، فأسّسوا بذلك ومن عقِبهم لنظريّات “عدالة” كلّ الصّحابة، الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، أولئك الذين قرْنُهم “خير القرون”، منهم “المبشّرون بالجنة” ومنهم البدْريّون والرّضوانيّون، وتحديداتٌ أخرى من تحديداتٍ يولدون، وبالتالي كلُّ ما يقولونه ويفعلونه هو خارج تغطية النّقاش.
ومن هناك دخل الشّيطان! “هناك الفتنة من حيث يطْلُع قرْن الشّيطان” (3)، إذ خلَف من بعْدهم خلْفٌ، قعّدوا للّغة وبنوا معايير الفقه، على الأسس التي وضعها الأوّلون، ثم أغلقوا عليهم أبواب الاجتهاد، فصار المتأخّرون لا يمكنهم المسير إلا في اتّجاه حلَبة مُفْرغة ومُغْلقة، قوامها كثير من اختلاف العلماء، حتى حول ماهيّة اللّيل الواحد، الذي تعْرفه كلّ الأقوام في هذا المعْمور، ثمّ يهِلُّ كلّ واحدٍ منهم بهلالِه، رغم أنّ هذا الهلال مجرّد إشارة، فاتّبعوا الإشارة وضيّعوا المقْصد الأسمى وهو الأمّة.
وكنتيجة حتميّة لهذه التّراكمات، تعدّدت نُسخ الإسلام، من أموي إلى عباسي إلى عثماني ووهابي سلفي صوفي، كلٌّ يدّعي صواب منْهجه الذي يعطيه “وِسام” “الفِرْقة النّاجية”.
ثمّ يسألونك: لماذا أنتم ماضويّون؟
لربّما نكون “ماضويّين” بوصْف الحداثيّين، ونحن نخوض في ماض سحيق، ولربما نسيء بذلك للأموات، كما يعتقد الكلاسيكيّون، الذين يستشْهدون علينا كلّما مرّة بالآية الكريمة: “تلك أمّة قد خلت” سورة البقرة 134. هذا الوضْع يجعلنا بين كمّاشتيْ الحداثيين والحديثيّين (أصحاب الحديث)؛ أصْلُها في توجُّه “المذهب الواحد” ثابت، وفرْعها في تاريخ الاستبداد ممتدّ (4).
لكنّ العجيب أنّ نفس هؤلاء الحداثيين، صاروا يستدلّون في بعض محاوراتهم وخطاباتهم للجمهور، بالفقه الكلاسيكي الذي كانوا يعتبرونه بالأمس استعمالا للدين، رغم توجّههم اليساري أمْسوا هم الآخرون، يرصّعون به الكلام بحجّة “الإرث المشترك” (5)، أمّا الكلاسيكيون فيعملون من أجل الانفراد بفهْمِهم للتّراث، تحت ذريعة وجوب “التّخصّص”؛ حتى يتمكّن المرء من الخوْض في التراث؛ وهي تبدو للوهْلة الأولى منطقيّة، لكنّها في العمْق مكْبح من مكابح التّنوير (6).
إنّ تناولنا للماضي ليس لحاجته ولا حتى ترفًا فكريًّا، بقدر ما هو محاولة لمس المسام الدقيقة لما وصلَنا من تراث، فإذا كان العالم الغربي قد انطلق مادّيًا، بعد فصْله بين الدّين والدولة…، فإننا كشعوب “متديّنة” بالمعنى السوسيولوجي، لا نزال لصيقين بنسْخة الدين كما وصلتنا، نريد دخول الجنّة مثل النّاقل، ولكن في نفس الآن دون تحقّق ولا ضجيج سؤال ولا كبَد البحث، تمامًا كما ينْعم الغرب بالحضارة المادية.
الهوامش:
(1) كتاب سجون العقل العربي يركز الضوء على ثلاثة سجون يسيطرون على عقلية الإنسان العربي، فالسجن الأول هو التفسير الماضوي المُتحجر المُناقض لحقائق العلم والتقدم والمدنية للدين، والسجن الثاني هو الثقافة معدومة الصلة بالعلم والعالم المعاصر والتي نتجت عن التاريخ العربي وجغرافيا الجزيرة العربية السياسية ثم بعد ذلك (وهو الأهم) مؤسسات وبرامج تعليمية لا تُرسخ قيم المدنية والتقدم والإنسانية إنما تُرسخ كل ما هو مناقض ومضاد لكل القيم، أما السجن الثالث فهو إشكالية فلسفية واقعة بين هذا العقل ومفهوم المعاصرة والتقدم تجعله رافضًا لها، بل ويراها كغزو ثقافي لقلعته الفكرية وموروثه الحضاري والثقافي.
(2) عبد الحميد أحمد أبو سليمان، “أزمة العقل المسلم”، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية.
(3) عن النَّبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم)؛ أنَّه قامَ إلى جَنبِ المِنبَرِ فقال: “الفِتنةُ هاهُنا، الفِتنةُ هاهُنا، مِن حَيثُ يَطلُعُ قَرنُ الشَّيطانِ، أو قال: قَرنُ الشَّمسِ”. حديث صحيح رواه عبدالله بن عمر في صحيح البخاري تحت رقم: 7092 وأخرجه مسلم (2905) باختلاف يسير.
(4) أنظر مقالنا “الحمض النبوي لملحمة الحسين”، جريدة هسبريس، 16 غشت 2021.
(5) أنظر مقالنا “جدلية الإرث المشترك”، جريدة هسبريس، 23 يونيو 2019. وكذلك مقالنا “الشكّ في التراث الإسلامي”، جريدة هسبريس، 7 دجنبر 2025.
(6) أنظر مقالنا “التغيير ومكابح التّنوير”، جريدة هسبريس، 4 نونبر 2016.
The post لماذا نتناول الماضي؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.