لماذا لم يُدعَ الرئيس اللبناني إلى قمة الدول السبع في فرنسا؟
في الواقع، لا يرتبط توجيه الدعوات إلى هذا النوع من القمم بالرغبة السياسية للدولة المضيفة فحسب، بل يخضع لمعايير دولية دقيقة تتصل بطبيعة القمة وتوازنات القوى ودور الدول المدعوة في الملفات المطروحة. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر ديبلوماسية أن الملف اللبناني سيكون حاضراً على طاولة النقاش، إلا أن دعوة الرئيس اللبناني لم تكن مطروحة أساساً، لأن القرار لم يعد فرنسياً بحتاً، بل بات جزءاً من إدارةٍ دولية أوسع تقودها الولايات المتحدة.
و من شأن دعوة الرئيس اللبناني إلى القمة منح لبنان فرصة نادرة لإعادة طرح قضاياه على المستوى الدولي، غير أن الظروف السياسية الراهنة، والتوازنات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، جعلت مثل هذه الدعوة شبه مستحيلة.
فمشاركة لبنان في قمة تضم الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا واليابان وكندا تمنح الرئيس اللبناني شرعيةً دولية إضافية، وتعكس اعترافاً بقدرته على تمثيل الدولة اللبنانية.
كما أن دعوة الرئاسة اللبنانية تساهم في إعادة الاعتبار إلى موقع الرئاسة واستعادة جزء من الثقة الدولية المفقودة بالمؤسسات اللبنانية. كذلك تؤدي إلى تدويل الملف اللبناني بصورة إيجابية، خصوصاً أنه يُناقش عادة في سياق الحرب مع إسرائيل، ودور "حزب الله"، والعقوبات، والهجرة، والانهيار الاقتصادي، والسلاح غير الشرعي.
وحضور الرئيس عون يمكن ان يتيح تقديم رواية لبنانية رسمية أمام قادة الدول الكبرى، وتوسيع النقاش ليشمل ملفات الاقتصاد والإصلاح والطاقة وإعادة الإعمار، بما يكسر الصورة السائدة التي تختزل لبنان بكونه مجرد "ملف أمني".
والمشاركة لو تحصل تتيح أيضاً تواصلاً مباشراً مع الإدارة الأميركية، وتعيد فرنسا إلى موقع الراعي السياسي التقليدي للبنان، وتُحدث توازناً يمنع احتكار أي طرفٍ دولي منفرد للملف اللبناني. والأهم أنها تشكل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لا يزال يعترف بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.
لماذا لم يحدث ذلك؟
تشير مصادر سياسية فرنسية إلى أن القرار الأساسي في الملف اللبناني انتقل إلى واشنطن بعد الحرب الأخيرة، فيما بات الدور الفرنسي يقتصر إلى حدٍّ كبير على الحفاظ على حضوره السياسي والديبلوماسي، من دون قدرة على فرض مبادرات أو إحداث تحولات كبرى. ولذلك فإن توجيه دعوة للرئيس اللبناني إلى قمة من هذا المستوى يتطلب توافقاً أميركياً– أوروبياً غير متوافر حالياً.
كما أن قمة مجموعة السبع ليست منصة مخصصة لعرض الملفات الداخلية للدول غير الأعضاء. وعادة ما تُدعى إليها دول تمتلك وزناً اقتصادياً أو أمنياً مؤثراً عالمياً، أو تؤدي دوراً مباشراً في أزمات دولية كبرى، أو تُعد شريكاً استراتيجياً في ملفات مثل الهجرة والطاقة والمناخ. ورغم أهمية التطورات التي يشهدها لبنان، فإنه لا يحتل حالياً موقعاً يتيح اعتباره شريكاً استراتيجياً على مستوى القمة.
من جهة أخرى، تفضّل باريس طرح الملف اللبناني بنفسها خلال اجتماعات مجموعة السبع. ووفقاً لتقارير ديبلوماسية، تضع فرنسا لبنان بنداً أساسياً على جدول أعمال اجتماعات وزراء خارجية المجموعة، وخصوصاً في ما يتعلق بالحرب بين إسرائيل و"حزب الله" ومساعي خفض التصعيد. وبذلك ترى باريس أن تمثيل لبنان ديبلوماسياً داخل القمة أكثر واقعية من حضوره المباشر.
إضافة إلى ذلك، فإن دعوة رئيس دولة إلى مثل هذه القمم تتطلب وضوحاً في السلطة التنفيذية، وقدرة على اتخاذ القرار والتفاوض، ورؤية سياسية متماسكة. أما لبنان، فلا يزال يواجه انقساماتٍ سياسية حادة، وخلافات حول ملف السلاح، ومفاوضات حساسة مرتبطة بالوضع الحدودي مع إسرائيل، فضلاً عن اعتماده الكبير على الوساطات الدولية.
وتقرّ فرنسا نفسها أن دورها في لبنان تراجع لمصلحة الولايات المتحدة، بعدما أُبعدت إلى حد كبير عن مسارات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وأصبحت تسعى أساساً إلى الحفاظ على موقعها ضمن المشهد اللبناني الجديد. لذلك، فإنها لا تملك وحدها القدرة على فرض دعوة من هذا النوع.
يعني ذلك أن فرنسا ستواصل إثارة الملف اللبناني داخل اجتماعات مجموعة السبع، لكنها لن تدعو لبنان للمشاركة المباشرة، لأن القرار لم يعد فرنسياً بالكامل، ولأن لبنان لا يزال في وضع لا يؤهله ليُعامل كشريك مباشر في هذه القمة، ولأن واشنطن تمسك حالياً بالمفاصل الأساسية للملف الأمني والسياسي.