لماذا تخسر الكرة الإنكليزية معركة الألقاب رغم هيمنتها المالية؟
لا تكشف البطولات الكبرى دائماً هوية المنظومة الأكثر ثراءً، بل هوية الأكثر استعداداً للحظة الحسم.
من هنا، تبدو الكرة الإنكليزية من أكثر متناقضات اللعبة الحديثة، بعدما فرض الدوري الإنكليزي الممتاز نفسه أقوى المسابقات اقتصادياً وتسويقياً والأكثر متابعةً عالمياً، بينما بقي حصاد أنديته ومنتخبه أقل كثيراً مما تعكسه هذه الهيمنة.
منذ عام 2000، لم تحقق الفرق الإنكليزية سوى 7 ألقاب في دوري أبطال أوروبا، بينما فاز ريال مدريد وحده بثمانية ألقاب خلال المدة نفسها، وأضاف برشلونة أربعة، وبايرن ميونيخ ثلاثة.
ورغم تفوّق أندية الدوري الإنكليزي في حقوق البث والإيرادات والقدرة على استقطاب أبرز اللاعبين والمدربين، فإنها لا تزال تخسر معركة المجد القاري أمام أندية دولٍ أخرى.
ولا تقتصر هذه المفارقة على الأندية، بل تمتد إلى المنتخب الإنكليزي الذي لا يزال يكتفي بلقبه العالمي الوحيد عام 1966.
ورغم امتلاك إنكلترا جيلاً موهوباً خلال العقد الأخير، فإنّ المنتخب بلغ نصف نهائي كأس العالم في نسختي 2018 و2026، وربع نهائي نسخة قطر 2022، وخسر نهائي بطولة أوروبا في نسختي 2020 و2024، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الحضور المتكرّر إلى لقب كبير.

يصعب تفسير هذه المفارقة بالفوارق الفنية وحدها، إذ إنّ الكرة الإنكليزية لا تعاني من نقص في المواهب سواء كانت تلك المتعلقة باللاعبين أو المدربين.
وربما يكمن أحد التفسيرات في طبيعة المنظومة نفسها، بحيث أصبح النجاح التجاري أحد أبرز وجوه تفوّقها.
ولا يعني ذلك أنّ النجاح التجاري سبب مباشر للإخفاق، لكنه قد يقلل، بصورة غير مباشرة، من حالة الجوع الدائمة لإثبات الذات، وهي السمة التي كثيراً ما ميزت أكثر الفرق تتويجاً.
وتبرز المقارنة مع ريال مدريد بوضوح في هذا السياق، إذ فاز النادي الإسباني بثمانية ألقاب في دوري أبطال أوروبا منذ عام 2000، ولم يكن هذا التفوّق نتيجة الفوارق الفنية فقط، بل تجسيداً لثقافة تعتبر البطولة المعيار الأول للنجاح.
كذلك، يلعب الإعلام الإنكليزي دوراً كبيراً، إذ يتأرجح بين الإشادة الواسعة بعد الانتصارات والانتقادات الحادة عند الإخفاق، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على اللاعبين.
ورغم أنّ إنكلترا تمتلك جيلاً يضم لاعبين مثل هاري كاين وجود بيلينغهام وبوكايو ساكا، لكنها لم تستطع إحراز لقب كبير.
وربما لهذا السبب، ربحت الكرة الإنكليزية معركة السوق، لكنها لم تربح بالقدر نفسه معركة التاريخ، فالقوة الاقتصادية تصنع الهيمنة خارج الملعب، بينما يبقى المجد القاري من نصيب المنظومات التي تدخل البطولات بعقلية الباحث عن الكأس، لا بعقلية المكتفي بمكانته.