لماذا اختاروا البحر؟
ثمة مشهد لا يغادر الذاكرة بسهولة، مشهد رأيناه جميعًا في الأيام الأخيرة دون أن نملك القدرة على تفسيره بالكامل: شباب يندفعون نحو البحر بأجساد عارية إلا من العزم، تلاحقهم الدوريات، وتبتلع الأمواج بعض أحلامهم قبل أن تصل إلى الشاطئ الآخر. لكن الذي هزّني حقًا لم يكن الأمواج ولا الدوريات ولا حتى صورة الأجساد المرهقة وهي تُنتشل من الماء. الذي هزّني هو شيء أعمق من كل ذلك: أن آلاف الشباب كانوا مستعدين، في لحظة واحدة، أن يراهنوا بحياتهم كاملة على المجهول، وكأنهم اتخذوا قرارًا جماعيًا صامتًا مفاده أن البحر، بكل أهواله وغدره، أقل قسوة من اليابسة التي يعيشون عليها كل يوم.
وحين يتحول البحر إلى خيار عقلاني في نظر آلاف المواطنين، فإن المشكلة الحقيقية لم تعد تكمن في البحر نفسه، بل فيما ورائه، في اليابسة، في الأرض التي وُلدوا فيها وكبروا فيها ولم يجدوا فيها ما يكفي ليبقوا.
من السهل جدًا، ومن المريح أيضًا، أن نقرأ ما حدث باعتباره مجرد “محاولة هجرة سرية”، عنوانًا صحفيًا عابرًا يُطوى مع نشرة الأخبار المسائية. لكن هذه القراءة السريعة تختزل قضية شديدة التعقيد في جملة واحدة، بينما الحقيقة أن ما وقع ليس حادثًا أمنيًا محضًا، بل هو أشبه بمرآة كبيرة تعكس أسئلة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تراكمت على مدى سنوات طويلة، حتى انفجرت فجأة في صورة أجساد تتحدى الأمواج وتتحدى المنطق أيضًا.
لا يمكن لأحد أن يفهم ما جرى دون أن يتوقف طويلًا عند الاقتصاد، فهو الجذر الذي تتفرع منه بقية الأسئلة. صحيح، ولا يمكن إنكاره، أن المغرب حقق خلال العقدين الأخيرين إنجازات كبرى على مستوى البنيات التحتية: موانئ ضخمة، وطرق سيارة تمتد عبر البلاد، وقطارات فائقة السرعة، ومناطق صناعية تستقطب الاستثمار الأجنبي. لكن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لم تتحول بالقدر الكافي إلى شعور عام لدى الشباب بأن المستقبل ينتظرهم فعلًا، بأن هناك مكانًا محجوزًا لهم في هذا المشروع الكبير. فالنمو الاقتصادي لا يُقاس فقط بنسبة الناتج الداخلي الخام أو بعدد الأوراش المفتوحة، بل يُقاس أساسًا بقدرته على خلق فرص عمل مستقرة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وإقناع المواطن البسيط بأن جهده الدراسي والمهني سيقوده يومًا إلى حياة أفضل. المشكلة إذن ليست في غياب المشاريع الكبرى، بل في شعور جزء واسع من الشباب بأنه لا يجد مكانه داخل هذه المشاريع، وكأنها تُبنى فوق رؤوسهم لا من أجلهم.
فكّر في الطالب الذي يقضي سنوات طويلة بين مدرجات الجامعة، يذاكر ويجتهد ويحلم، ثم يجد نفسه في النهاية عاطلًا يحمل شهادة لا تفتح له بابًا. فكّر في الحرفي الماهر الذي يمتلك الكفاءة لكنه لا يستطيع تأسيس مشروع صغير بسبب تعقيدات التمويل وصعوبة الولوج إلى القروض. فكّر في خريج التكوين المهني الذي يجد وظيفة أخيرًا، لكن أجرها لا يكفي لتغطية أبسط متطلبات الحياة اليومية. هؤلاء جميعًا، دون أن يشعروا، يعيدون تدريجيًا تعريف معنى النجاح في أذهانهم. لم يعد النجاح، بالنسبة إليهم، أن يبني الإنسان حياته داخل وطنه، بل أن يصل إلى أوروبا بأي وسيلة كانت، ولو كان الثمن حياته نفسها. وهنا، بالضبط، تقع أخطر خسارة اقتصادية ممكنة؛ لأن الدولة في هذه الحالة لا تخسر يدًا عاملة شابة فحسب، بل تخسر شيئًا أثمن بكثير: ثقة أبنائها في اقتصادها ومستقبلها.
ولأن الاقتصاد وحده لا يفسر كل شيء، لا بد من التوقف عند التحول العميق الذي طرأ على المجتمع نفسه. فالهجرة اليوم لم تعد مجرد قرار فردي يتخذه شاب يائس في لحظة ضعف، بل أصبحت، بمرور الوقت، جزءًا أصيلًا من الثقافة الشعبية المغربية. في الأحياء الشعبية، لا يكبر الأطفال اليوم وهم يستمعون إلى قصص العلماء أو المقاولين الذين نجحوا داخل الوطن، بل يكبرون على حكايات “ولد الحومة” الذي عاد في فصل الصيف بسيارة أوروبية فارهة، أو بنى منزلًا من ثلاثة طوابق، أو اشترى قطعة أرض جعلت الجيران يتحدثون عنه بإعجاب. لا أحد يحكي لهؤلاء الأطفال عن سنوات الغربة القاسية، ولا عن ساعات العمل الطويلة المضنية، ولا عن العنصرية التي قد يواجهونها، ولا عن الوحدة الخانقة في مدينة أوروبية باردة. ما يُحكى دائمًا هو النهاية فقط، الصورة الأخيرة اللامعة، بينما يُطوى كل ما سبقها في صمت. وهكذا، وبشكل تراكمي، تتحول الهجرة من مجرد خيار متاح إلى نموذج كامل للنجاح يُحتذى به.
والمجتمع نفسه، دون أن يعي ذلك تمامًا، يساهم في صناعة هذا الحلم ويغذيه يومًا بعد يوم. فالأسر كثيرًا ما تفاخر بابنها المهاجر أكثر مما تفاخر بابنها الموظف الذي بقي في الوطن، والحي بأكمله يحتفي بالعائد من أوروبا احتفاءً أكبر بكثير مما يحتفي به الباحث أو الأستاذ أو الطبيب الذي كرّس حياته للبقاء والعطاء هنا. وحين تصبح قيمة الإنسان الاجتماعية مرتبطة بالمكان الذي يعيش فيه أكثر من ارتباطها بما ينجزه فعليًا، فإن البحر يبدأ تدريجيًا في اكتساب نوع من الشرعية الرمزية غير المعلنة.
وإلى جانب المجتمع، هناك قوة أخرى لا تقل تأثيرًا: صناعة الحلم الأوروبي عبر الشاشات الصغيرة. لم يعد التلفزيون التقليدي هو من يصنع الأحلام كما كان في السابق، بل تفعل ذلك اليوم الهواتف الذكية التي لا تفارق أيدي الشباب. مقاطع قصيرة تُعرض على تطبيقات التواصل الاجتماعي، تُظهر حياة مترفة في أوروبا، وسيارات فاخرة، ورواتب مرتفعة، وسفرًا دائمًا بلا انقطاع. أما الجانب الآخر من الصورة، الجانب المظلم، فلا يظهر إلا نادرًا وباستحياء. لا تظهر غرف السكن الضيقة التي يتقاسمها عدة أشخاص، ولا سنوات الانتظار الطويلة من أجل الحصول على وثائق الإقامة، ولا الأعمال الشاقة التي تُرهق الجسد والروح معًا، ولا ذلك الإحساس الدائم بالغربة الذي لا يزول مهما طال المقام. إن خوارزميات هذه المنصات الرقمية، بطبيعتها التي تكافئ الصورة اللامعة، تصنع واقعًا افتراضيًا أكثر إغراءً بكثير من الواقع الحقيقي المعقد. وهكذا لا يهاجر الشباب، في نهاية المطاف، نحو أوروبا كما هي فعلًا، بل نحو أوروبا كما تقدمها لهم الشاشات، نسخة مُجمّلة ومُنتقاة بعناية.
وفي خضم كل هذا، يبقى السؤال السياسي حاضرًا وملحًا: قد تستطيع الدولة، بلا شك، أن تشدد المراقبة على حدودها البحرية والبرية، وقد تنجح فعلًا في إحباط مئات المحاولات قبل وقوعها. لكن لا توجد دولة في العالم، مهما بلغت قوتها الأمنية، تستطيع أن تغلق الحدود داخل العقول والقلوب. فالحدود البحرية يمكن حراستها بالزوارق والرادارات، أما حدود الأمل فلا يحرسها إلا شعور عميق بالعدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين. فكلما شعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وأن الكفاءة تجد مكانها الطبيعي دون واسطة، وأن المؤسسات تنصت حقًا لانتظاراته وتستجيب لها، تراجعت فكرة الهروب من تلقاء نفسها. أما حين تتآكل هذه الثقة تدريجيًا، فإن البحر يصبح، في المخيلة الجماعية، مجرد طريق مختصر نحو حياة أخرى يبدو الوصول إليها أسهل من إصلاح الحياة الحالية. ولهذا فإن معالجة هذه الظاهرة ليست، بأي حال، مسؤولية وزارة واحدة أو جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها السياسات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية والثقافية والأسرية والعمومية معًا، في منظومة واحدة متكاملة.
وبوصفي أستاذًا يعيش هذا التحول يوميًا داخل الفصل الدراسي، لا أملك إلا أن أشهد على تغير خطير في نوعية الأسئلة التي يطرحها التلاميذ. لم يعد كثير منهم يسأل: ماذا سأصبح بعد الدراسة؟ بل أصبح السؤال المتكرر: كيف أصل إلى أوروبا؟ وهذا التحول في طبيعة السؤال، البسيط في ظاهره، أخطر بكثير من أي رقم اقتصادي مهما كان مقلقًا. لأن المدرسة، تاريخيًا وجوهريًا، كانت دائمًا مصنعًا للأمل، مكانًا يُعلّم فيه الطفل أن يحلم ببناء شيء ما داخل وطنه. أما حين تتحول هذه المدرسة، شيئًا فشيئًا، إلى مجرد محطة مؤقتة في طريق طويل نحو الهجرة، فإن المجتمع بأكمله، بكل مؤسساته، مطالب اليوم بمراجعة نفسه بجدية وصدق.
قد نختلف حول تفسير ما وقع في سبتة، وقد تتباين التقديرات الأمنية والسياسية حول أسبابه المباشرة، لكن شيئًا واحدًا يبقى واضحًا لا يقبل الجدل: لا أحد يغامر بحياته كاملة في عرض البحر لأن البحر أجمل من اليابسة، بل لأنه فقد ثقته، ببساطة، في أن اليابسة قادرة على تحقيق ما يحلم به من عيش كريم ومستقبل واضح. إن البحر، في نهاية الأمر، لا يصنع المهاجرين من العدم. الذي يصنعهم فعلًا هو تراكم الإحباط اليومي، واتساع الفوارق الاجتماعية، وثقافة شعبية تمجد الرحيل وتحتفي به، وشاشات صغيرة تبيع الوهم بذكاء، وأمل يتآكل بصمت يومًا بعد يوم دون أن ينتبه إليه أحد.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل بالنا حقًا ليس: كيف نمنع الشباب من السباحة نحو المجهول؟ بل السؤال الأعمق والأصعب: كيف نجعلهم يؤمنون، من جديد، بأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا، لا هناك؟ فإذا نجح المغرب يومًا في استعادة ثقة شبابه بأرضه ومؤسساته، فلن يعود البحر طريقًا يائسًا نحو النجاة، بل سيعود إلى طبيعته الأولى: مجرد بحر يفصل بين ضفتين، لا بين وطن وحلم مسروق منه.
The post لماذا اختاروا البحر؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.