لقجع يدخل “الأصالة والمعاصرة” في الدقيقة التسعين

ليس في التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة ما يستدعي الاعتراض من حيث المبدأ. فحرية الانتماء السياسي هي من صلب الاختيار الديمقراطي. ومن حق لقجع، مثل أي مواطن، أن يختار الحزب الذي يراه أقرب إلى قناعاته، وأن يترشح باسمه، وأن ينتقل من موقع التدبير التقني إلى فضاء المنافسة السياسية.

السؤال، إذن، ليس حول حق لقجع في الانتماء الذي يكفله الدستور. ولكنه سؤال المغزى من ذلك. لماذا الآن؟ ولماذا يصبح استقطاب شخصية ارتبط اسمها لسنوات بصورة «الكفاءة» و«النجاعة» وبتدبير ملفات وطنية كبرى حدثًا سياسيًا قبل أسابيع من الانتخابات؟

الأخبار المتداولة تتحدث عن ترشيح محتمل لفوزي لقجع في دائرة بركان وعن موقع داخل المكتب السياسي، فيما تستعد قيادة الأصالة والمعاصرة لمجلسها الوطني يوم 25 يوليوز. وحتى الآن، لا يزال الإعلان الرسمي منتظرًا رغم أخبار أكيدة عن حسم الاتفاق. هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن السياسة في المغرب.

لقد علمتنا تجارب عديدة في المسار الانتخابي بالمغرب أن “تحزيب” التكنوقراط في اللحظات الانتخابية الأخيرة ليس دائمًا مجرد انتقال طبيعي من الإدارة إلى السياسة، بقدر ما هو وسيلة لنقل رأسمال رمزي راكمه الشخص داخل مؤسسات الدولة إلى رصيد انتخابي لصالح حزب بعينه، لتقوية حظوظه وهنا يوجد فرق بالغ الدقة.

أن يتدرج مسؤول سياسي داخل حزب ما، وأن يدافع لسنوات عن أفكاره وبرنامجه واختياراته، ثم يصل إلى المسؤولية، هو مسار سياسي منطقي مفهوم. أما أن تصنع مسيرة تكنوقراطية طويلة صورة شخصية وطنية فوق الاصطفافات الحزبية، ثم تُستثمر هذه الصورة عشية الانتخابات داخل حزب محدد لإعادة الاعتبار له بعدما لحق به، فإننا نصبح أمام سؤال آخر: هل الحزب هو الذي ينتج النخب، أم أنه ينتظر أن تنتجها الدولة ثم يستقطبها جاهزة أو تحول إليه لتعضيد حظوظه الانتخابية؟ وهذا السؤال أكبر من فوزي لقجع وأكبر من الأصالة والمعاصرة، لأنه يتعلق بطبيعة الحياة الحزبية نفسها.

فالحزب، في الديمقراطيات الحية، ليس وكالة توظيف انتخابية تبحث قبل الاقتراع عن «الأسماء الرابحة». يفترض في الحزب أن يكون مصنعًا للأفكار والنخب والقيادات ومشتلا لصناعة الأطر ويمنحها للدولة لتستفيد منها.. أليست هذه هي وظيفته المنصوص عليها في الدستور؟

يبني الحزب رجاله ونساءه، يختبرهم في النقاش العمومي، يجعلهم يتحملون كلفة مواقفهم، ثم يقدمهم إلى المواطنين باعتبارهم التعبير البشري عن مشروع سياسي. أما حين تصبح المعادلة معكوسة، وحين تبحث الأحزاب عن الشخصيات التي صنعت شرعيتها خارجها لكي تمنحها قوة انتخابية أو تُمرر لها هذه الشخصيات وتصبغ بلونها، فإن شيئًا ما يختل في الوساطة السياسية. وهنا يمكن فهم استقطاب لقجع من زاويتين:

الزاوية الأولى انتخابية بحتة: تسخين العرض السياسي عشية استحقاق يحتاج إلى أسماء قادرة على صناعة الحدث وجلب الاهتمام واستعادة جزء من الجمهور المنصرف عن الأحزاب. والأصالة والمعاصرة أعلن خلال الأسابيع الأخيرة عن عدة استقطابات، بينما ظل اسم لقجع حاضرًا بقوة في النقاش حول تعزيز صفوفه. أما الزاوية الثانية فأكثر حساسية: هل نحن أمام تقديم مبكر لشخصية يراد لها أن تضطلع بأدوار تتجاوز مجرد الفوز بمقعد برلماني؟

لا توجد اليوم معطيات موثوقة تسمح بالجزم بذلك. ولهذا يجب الحذر من تحويل السؤال المشروع إلى جواب جاهز. لكن مجرد طرح الفرضية يعكس مشكلة حقيقية في ثقافتنا السياسية: لقد اعتاد الرأي العام، بفعل تجارب سابقة، أن يبحث خلف انتقالات الأسماء الكبرى عن هندسة المرحلة المقبلة، بدل أن يقرأها باعتبارها حركية حزبية طبيعية. وهذا في ذاته مؤشر يستحق التفكير. لأن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى انتخابات نزيهة، بل تحتاج أيضًا إلى انتخابات تبدو مفتوحة النتائج سياسيًا.

فالضرر الأكبر الذي يمكن أن يلحق بأي عملية انتخابية ليس أن يلتحق فلان بحزب أو يغادر علان حزبًا آخر، وإنما أن ينشأ لدى المواطن إحساس بأن توزيع الأدوار الكبرى يحدث قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع. عندها يصبح السؤال الشعبي خطيرًا للغاية:

لماذا أصوّت إذا كان المشهد قد رُتّب سلفًا؟ وحتى عندما يكون هذا الاعتقاد خاطئًا، فإن مجرد انتشاره يُضعف مصداقية السياسة. لذلك فإن مسؤولية الدولة هنا قانونية ورمزية أيضًا. عليها أن تقنع المغاربة بأن الانتخابات ليست مراسم لتثبيت توازنات صنعت مسبقًا وإنما لحظة حقيقية لإنتاجها.

ثم هناك ضرر آخر أكثر عمقًا يتمثل في إضعاف الحدود بين التكنوقراطي والسياسي. يستمد التكنوقراطي مشروعيته، نظريًا، من الكفاءة والفعالية والنتائج. أما السياسي فيستمد مشروعيته من الاختيار الشعبي والبرنامج والمساءلة. وحين ينتقل الأول إلى الثاني، فهذا أمر مشروع تمامًا، لكنه يقتضي تحولًا واضحًا في وضعه: ينبغي أن يصبح صاحب أفكار قابلة للنقد، ومواقف قابلة للمحاسبة، وبرنامج يمكن للناخب أن يقبله أو يرفضه. ويتراجع السؤال حينها هل لقجع «كفء»؟ لصالح السؤال الأكبر ما مشروع لقجع السياسي؟ ما تصوره للعدالة الاجتماعية؟ وللضرائب؟ وللدولة الاجتماعية؟ وللفوارق المجالية؟ وللتعليم والصحة؟ وللعلاقة بين الدولة والسوق؟ ولإصلاح المؤسسات؟ وللديمقراطية نفسها؟ هل هو مشروعه الشخصي أم مشروع الحزب الذي التحق به حديثا؟

فهذه هي الأسئلة التي تُحول التكنوقراطي إلى سياسي، وليس حمل بطاقة حزبية. ولهذا فإن دخول لقجع، إن تأكد، إلى الأصالة والمعاصرة قد يكون فرصة بدل أن يكون مشكلة، بشرط واحد: أن يتم تسييس الحدث بدل الاكتفاء بتسويقه انتخابيًا. أي أن يخرج لقجع إلى المغاربة ويقول لهم لماذا اختار هذا الحزب بالذات، وما الذي يجمعه بفكره ومشروعه، وماذا يريد أن يغير عبر السياسة ولم يكن قادرًا على تغييره من موقع التدبير. حينها سنكون أمام انتقال حقيقي من التكنوقراط إلى السياسة. أما إذا اقتصر الأمر على اسم ثقيل يوضع على لائحة انتخابية، وصورة ناجحة تُضاف إلى حزب معروفة ظروف نشأته، فإن السؤال سيظل قائمًا: هل التحق أو أُلحق فوزي لقجع بالأصالة والمعاصرة، أم أن الأصالة والمعاصرة التحق بالرأسمال الرمزي للقجع؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا.

إن التحدي الأكبر في انتخابات 2026 هو معرفة ما إذا كانت الانتخابات ستعيد للمواطن الإيمان بأن السياسة هي التي تصنع القيادات، وأن الصندوق الشفاف هو الذي يصنع الخريطة السياسية، لا أن الخريطة تُصنع أولًا ثم يأتي الصندوق الانتخابي ليزكيها ويباركها.

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم