لقجع .. "المهدي المنتظر"؟!!

يثير الحديث عن ترشح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، باسم حزب الأصالة والمعاصرة، لانتخابات 23 شتنبر 2026، أسئلة سياسية تتجاوز شخصه، إلى طبيعة الممارسة الحزبية والانتخابية في المغرب.

ذلك أن الرهان المتكرر على تقديم شخصية بعينها باعتبارها “المنقذ” أو “المهدي المنتظر”، القادر على إعادة تشكيل المشهد السياسي، أثبت في أكثر من محطة أنه رهان لم يحقق النجاح المنشود.

إن تجربة سنة 2007 ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، وحينها جرى الدفع باسم فؤاد عالي الهمة، الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب كاتب الدولة في الداخلية، من خلال بلاغ للديوان الملكي أعلن إعفاءه من مهامه، وقد أعطى ذلك الانطباع لدى كثيرين، بأن الدولة تزكي مسارا سياسيا بعينه، وهو ما أحدث ارتباكا كبيرا في الحياة الحزبية والسياسية، ورسخ شعورا بعدم تكافؤ المنافسة.

ولم تكن نتائج تلك المرحلة مشجعة على مستوى الثقة السياسية، إذ سجلت انتخابات شتنبر 2007، واحدة من أضعف نسب المشاركة، حيث لم تتجاوز حوالي 20 في المائة حسب الراصدين، في مؤشر عكس حجم الفجوة بين المواطنين والعمل السياسي.

ولم يكن هذا أول رهان من هذا النوع من المقاربات، ففي سنة 2016، وبعد “إعفاء” صلاح الدين مزوار من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، جيء بعزيز أخنوش لقيادة الحزب، رغم أنه لم يكن نتاجا للمسار التنظيمي الداخلي للحزب بالمعنى التقليدي، ورافق صعوده في تلك المرحلة، خطاب سياسي وإعلامي قدمه باعتباره رجل المرحلة، والقادر على إعادة ترتيب المشهد الحزبي، ليتوج بعدها رئيسا للحكومة بعد انتخابات شتنبر 2021، وهاهي النتائج نفسها تقريبا، تنعكس على مستوى الثقة السياسية، والثقة في المؤسسات.

اليوم، وبعد مرور عشرين سنة تقريبا على تجربة 2007، يحق طرح سؤال سياسي مشروع، يتعلق بما إذا نجحت تلك المقاربة في إعادة الثقة إلى السياسة وإلى الأحزاب؟ أم أنها عمقت ظاهرة شخصنة العمل الحزبي، وربط مصير الأحزاب بأسماء، أكثر من ربطه بالمؤسسات والبرامج؟

وتقييم هذه التجربة يظل مفتوحا للنقاش، لكنه يطرح أكثر عمقا، وهو هل يكمن مستقبل السياسة في المغرب، في صناعة الأشخاص، أم في بناء أحزاب حقيقية ومستقلة؟

ونحن على بعد حوالي ثلاثة اشهر من موعد انتخابات شتنبر 2026، تبدو بعض المؤشرات وكأنها تعيد إنتاج المنطق نفسه، ولكن بوجه جديد، ففوزي لقجع الذي يجري التسويق له “مهديا منتظرا” جديدا، لا يدخل اليوم إلى السياسة من خارج مؤسسات الدولة، لأنه أحد أبرز أركانها التنفيذية منذ سنوات، فقد تدرج داخل وزارة الاقتصاد والمالية، وتولى مسؤوليات استراتيجية، قبل أن يصبح الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، في حكومة أخنوش، وهي حقيبة تعد من أكثر الحقائب تأثيرا في رسم السياسات العمومية وتدبير الموارد المالية للدولة، وبالتالي فإن أي تقييم لعمل حكومة عزيز أخنوش، نجاحا كان أو إخفاقا، لا يمكن أن يستثني لقجع، باعتباره أحد أبرز أركانها، وشريكا كاملا في قراراتها وبرامجها.

ومن هنا، فإن تقديمه اليوم كبطل سياسي جديد، أو محاولة فصله عن حصيلة حكومة أخنوش، قد يُنظر إليه باعتبارها عملية “تبييض سياسي” تهدف إلى إعادة تقديم المسؤول نفسه في صورة مختلفة، رغم أن مسؤوليته الحكومية كانت قائمة طوال السنوات الماضية، أي أننا أمام عملية أقرب إلى إعادة تسويق سياسي منه إلى ميلاد تجربة جديدة.

ولا جدال في أن فوزي لقجع حقق حضورا لافتا في تدبير كرة القدم الوطنية، وساهم في تحقيق إنجازات مهمة على هذا المستوى، غير أن النجاح في المجال الرياضي لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة للنجاح في العمل الحزبي والسياسي، لأن السياسة تقوم على منطق مختلف، تحكمه المنافسة الديمقراطية وبناء البرامج، وإنتاج النخب، والقدرة على كسب الثقة الشعبية عبر المؤسسات، لا عبر النجاحات الإدارية أو الرياضية فقط.

كما أن أي محاولة لإعادة تسويق حزب الأصالة والمعاصرة الذي اُختير للقجع، تصطدم بذاكرة سياسية لم تُمح بعد، حيث إنه بالنسبة لقطاع واسع من المغاربة، ارتبط منذ نشأته بكونه كيانا استثنائيا، ظهر في ظروف غير مألوفة داخل المشهد الحزبي، وهو الانطباع الذي مازال يؤثر في صورته لدى جزء من الرأي العام، مهما تغيرت قياداته أو وجوهه.

إن الديمقراطية لا تُبنى بصناعة الأشخاص، ولا بإنتاج أبطال سياسيين جاهزين، وإنما ببناء أحزاب قوية ومستقلة، وبمنافسة متكافئة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وكلما جرى التعويل على الأفراد بدل المؤسسات، تراجعت الثقة واتسعت الهوة بين المواطن والسياسة.

ربما آن الأوان للتخلي عن منطق صناعة “المنقذ” أو”المهدي المنتظر” في الحياة السياسية الوطنية، والتوقف عن إعادة إنتاج التجارب التي أضعفت الثقة في العمل الحزبي، فاستعادة المصداقية والمشروعية، تمر عبر احترام قواعد التنافس الديمقراطي، وعبر الكف عن ضبط المشهد الحزبي والسياسي، لا عبر إعادة تدوير الوجوه، أو الرهان على الهالة الإعلامية، مهما كان حجمها، وهذا هو المدخل الحقيقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثقة في السياسة والمؤسسات.

The post لقجع .. "المهدي المنتظر"؟!! appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress