لغة الأرض ورائحة البيت... "المونة" حارسة الذاكرة الثقافية
إذا دخلتَ إلى منزل قرويّ في أواخر الصيف، فمن المرجّح أن تقع عيناك على رفوفٍ تصطفّ عليها مرطبانات المربّى، والمكدوس، والزيتون، وربّ البندورة، والأعشاب المجففة، والكشك، وغيرها من ثمار المواسم التي حُفظت بعناية. يُطلق على هذه المجموعة اسم "المونة"، أو "مؤونة الشتاء"، وتُشكّل واحدة من أكثر التقاليد الثقافية رسوخاً، إذ تصون المعرفة والذاكرة والهوية، وتنقلها من جيل إلى آخر.
ما هي المونة وكيف نشأت؟
قبل أن تُحدث وسائل التبريد الحديثة تحولاً في الحياة المنزلية، اعتمدت العائلات على حفظ المنتجات الموسمية لضمان توافر الغذاء طوال فصل الشتاء. ثمّ تطوّرت المونة من ضرورة عملية إلى أرشيف حيّ للمعرفة الموروثة، ينتقل عبر الملاحظة والتكرار والخبرة المشتركة. وحفظ الروزنامة الزراعية لمعرفة التوقيت المثالي لجني الثمار، أو المدّة اللازمة لتجفيف البندورة، أو الكمّية الدقيقة من الملح الكفيلة بحفظ الزيتون، كلها تعكس رصيداً من الخبرة صقلته أجيالٌ وظروفٌ، وتجذّر في البيئة المحلية والطبيعة المحيطة.

يروي مرطبان المونة حكاية الأرض وأبنائها، ويرسم ملامح أحوالهم، ويستحضر مذاق مربّى المشمش مثلاً ذكريات طفولة صيفية، فيما يُعيد طبق المكدوس إلى الأذهان صورة الجدّ يحتضن العائلة، وتعود بنا اللبنة والزعتر أهازير مواسم الحصاد في قرى استنزفت المدن أولادها. وإذا ما نظرنا إلى المونة من هذا المنظور، رأيناها تؤدّي دور "الذاكرة المأكولة"، إذ تصون تاريخ العائلات، والهويات المناطقية، والروابط العاطفية التي تجمع الإنسان بأرضه وإن هجرها.
تراث ثقافي غير مادي
وقد شكّل إعداد المونة، تقليدياً، طقساً جماعياً بامتياز. تجتمع العائلات لقطاف الزيتون، والجيران يتعاونون في تجفيف الأعشاب على الأسطح، والنساء يمضين ساعات طويلة في حشو الباذنجان أو إعداد الكشك. وتنتقل المعرفة بسلاسة طبيعية كما تنتقل الأحاديث. وتُورَّث الوصفات مع الأمثال والقيم والشعور بالانتماء.
اضطلعت النساء بدور الحارسات الرئيسيات للمونة، فحافظن على المكونات وتقنيات الطهي والإرث العائلي و"أسرار المهنة". وقد أسهمت خبرتهن في تشكيل الهوية الغذائية للبنان كما فلسطين وسوريا والأردن والعراق ومصر وسواها، وضمنت استمرار التقاليد المحلية رغم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة. وفي عصر "السوشيل ميديا"، باتت الأجيال الشابة والمنتجون الحرفيون ينخرطون في هذه الممارسات، بما يساعد على استمرارها واكتسابها أشكالاً جديدة.

وقد ازدادت أهمية المونة وضوحاً خلال الأزمات الاقتصادية المتكررة التي شهدتها بلدان عربية، وفترات عدم اليقين التي مرّت بها. ومع ارتفاع أسعار السلع المستوردة وتصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي، عادت كثير من العائلات إلى ممارسات الحفظ التقليدية. وأصبحت المونة، مرة أخرى، رمزاً للصمود، والاكتفاء الذاتي، والقدرة على مواجهة الأوقات العصيبة، كاستجابة عملية وثقافية للمحن.
أصالة واستدامة وسياحة غذائية
يمكن النظر إلى المونة كتعبير ملموس عن الانتماء، يحمل التقاليد العائلية عبر القارات. واليوم، تشهد تحولاً جديداً؛ فما وُلد في الأصل استجابةً للحاجة، بات يُحتفى به بوصفه رمزاً للأصالة، والحِرَفية التقليدية، وأنماط العيش المستدامة، والسياحة الغذائية. وأصبحت أسواق المزارعين، والمنتجون الحرفيون، والمهرجانات الثقافية، تقدم المونة كتراث يستحق الحفظ والصون، ويستكشفه الغرباء عنه ويقدّرونه.
المونة تحفظ ذاكرة الأمكنة، وحكمة الأجيال، وإيقاع الحياة القروية، والقيم الراسخة المتمثلة في المشاركة، والصمود، والبيت. ومثلما تحفظ الطعم، تحفظ ثقافة بأكملها.