"لعَلَّ أَحَدًا يُقدِمُ عَلى أَن يَموتَ عَن صالِح؟"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الاب ايلي قنبر 

 

 

1-"سِراجُ ٱلجَسَدِ ٱلعَين"
هناك قول للناصريّ يُشير إلى أهميّة العَين بمعنى البصيرة: "سِراج الجسد العين". فما هي أهمِّيَّة العين في حياة الانسان؟
العين بمثابة نافذة الإنسان على العالم لأنّها عضو الإبصار الأساسيّ وأكثر الحواس استخداماً، إذ تلعب دوراً محورياً في التعرّف على الذات ورفع مستوى الوعي المعرفي ...
ويضيف الناصريّ: "فَإِن كانَت عَينُكَ بَسيطَةً، فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكونُ نَيِّراً". هنا يقصد البصيرة أو عين العقل التي تتجاوز الرؤية المادية والمحدودة حتّى استشراف نتائج الأمور لاتخاذ القرارات السليمة.
أمّا "وَإِن كانَت عَينُك شِرّيرَةً، فَجَسَدُك كُلُّهُ يَكونُ مُظلِمًا"، فتفسّر الظلام الذي، غالباً، ما يسود حياة البشر ويسيء إليهم.
من هنا نتبيَّن أهمِّيَّة نظرتنا إلى الكائنات وإلى ما حولنا، وكيف نستقبلها في حياتنا: هل نباركها إذ نراها "حسنة جدّاً"؟ هل نرى الدنيا بعين متربِّصة ومجزِّئة لها، لتكون مجرَّد مَورِد في خدمة غنانا الشخصي؟ وعلى هذا الأساس نتوقّف عند الذكاء الاصطناعيّ كمثال على النظرة التي نرمق بها مَن وما حولنا إنطلاقاً من الصراع على إصدار أخلاقيّات لذلك الذكاء.
في 2016 دعا البابا فرنسيس إلى حوار حول الذكاء الاصطناعيّ لأنّ "الكنيسة تعتبر الإنسان محور رسالتها... وما يهمّها ليس الأداة التقنية بل كيف وإلى أيّ مدى يمكن أن تؤثّر هذه الأخيرة على حياة الإنسان".
وها إن البابا لاوون يُصدر رسالة عامّة أولى بعنوان"الانسانيّة الرائعة" التي "تبدو سياجاً أخلاقياً حول الصناعة الرقميّة، وهي في جوهرها، على حدّ تعبير ع. عوّاد، نزاعٌ على من يملك سلطة تسمية المعنى الأخير للوجود البشري". ويُضيف عوّاد: "يجعل لِيُو الذكاء الاصطناعي مدخلاً إلى أزماتٍ أوسع"، خصوصاً أنّ "الصناعة القلقة من منتَجها تبحث عن جهةٍ تمنحها صكّ طمأنة، وتجد في الكنيسة "مقرّاً مركزياً" جاهزاً للمخاطبة". ويوضّح عوّاد: "الأول يريد الكنيسة مورّداً للأخلاق، شريكاً يمنح الصناعة شرعيةً تفتقر إليها". لذلك يرى أنّ "الانسانيّة الرائعة" وثيقة بالغة الأهمية، "تستعيد لغة   Rerum Novarum  في وجه رأسماليةٍ جديدة تتجاوز تسويق البضائع إلى صياغة الوعي ذاته. أمّا فاعليتها، فستتحدّد في مكانٍ أبعد من النصوص: في قدرة الكنيسة على أن تظلّ مرجعاً للمعنى في زمنٍ يَعِد فيه وادي السيليكون بأن يصنع المعنى بنفسه، ويختار له آلهةً جديدة".
2- لِمَ نحيَا؟
في زمننا الراهن، نجد لدى كثيرين مَيلاً الى المظاهر والمال وتعلُّقا مرَضيّاً بها، وتهرُباً من البحث عن معنى للحياة والسَير بموجبه. من هنا، فإنّ إعادة النظر في هذا المنهج مسؤولية عامة ينبغي أن يتوفّر لها "أهل فكر وسياسة وقانون وعلم، مشهود لهم بالعصامية والنزاهة والإنسانية". و"الهزيمة الأخطر تكمن في تبنّي"تعريف المستعمِر للعقل والممكن والسيادة".
لذا نبّه المسيح: "لا تَهتَمّوا قائِلين: ماذا نَأكُلُ، أَو ماذا نَشرَبُ، أَو ماذا نَلبَسُ؟"، فلِمَ لا تكون أولى أُولوِيّاتنا "أطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه"، أي الذهاب إلى المعنى والعيش على أساسه؟
3-"ٱلمَسيحَ، وَنَحنُ بَعدُ ضُعَفاءُ، قَد ماتَ في ٱلأَوانِ عَنِ ٱلكافِرينَ"
في العالم، يعيش المرء في أجواء تتنوّع: من تعاطفيّة إلى شيء من الفوضى، فالقهر والهيمنة والسحق التامّ. قد نجد مَن يُدافع عن مقهور أو مَن يساند مظلوماً. لكن هل نجد مَن يموت ليَحيا الآخَر؟ هناك أُناس يستشهدون في سبيل قضيّة مُحِقّة أو لحماية الهُوِّيّة والأرض كما في الجنوب الّلبنانيّ في مواجهة الهمجيّة والوحشيّة الصهيونيّة.
ومع ذلك "ستبقى البشرية تكابد الأرق والمعاناة، وتكتوي بنار الظلم والقهر والحروب، وتعاني من تفاوت واسع في مستويات الوعي والمعرفة والقدرة والمعيشة والإدارة والانضباط" حتّى تعيد النظر في ما تنتهجه حين "يتوفّر لها أهل فكر وسياسة وقانون وعلم، مشهود لهم بالعصاميّة والنزاهة والإنسانيّة".
جاء في الرسالة إلى كنيسة روما أنّه "َلا يَكادُ أَحَدٌ يَموتُ عَن بارٍّ، فَلَعَلَّ أَحَداً يُقدِمُ عَلى أَن يَموتَ عَن صالِح؟ أَمّا ٱللهُ فَيُبَرهِنُ عَلى مَحَبَّتِهِ لَنا، بِأَنَّ ٱلمَسيحَ وَنَحنُ بَعدُ خَطَأَةٌ قَد ماتَ عَنّا". يكمن الغضب في ما نحياه من شرّ مُستَطير، أمّا التبرير فقد حصلنا عليه بالمسيح. فهل نودّ أن نكون له شركاء في الموت عن صالحٍ ما في مُحيطنا؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية