لبّيك اللهمّ لبّيك

مع ارتفاع ضحى يوم الاثنين القادم، بحول الله، تبدأ مناسك الحجّ، لتتحرّك معها القلوب والأرواح والمشاعر، وتُذرف معها الدّموع وتتحرّك الأشواق وترتفع الأيدي بالدّعوات.. أيام ستّة يشعر فيها الحاجّ المخلص بأنّه أقرب إلى الله، في أحبّ البقاع إليه جلّ في علاه، وأنّ روحه تعانق السّماء ودعاءه أقرب ما يكون إلى القريب المجيب سبحانه.. ويشعر فيها غير الحاج بشوق ممزوج بالحسرة أنّه لم يكن في ركاب أولئك المكرَمين.
الحجّ محطّة سنويّة لإعادة النفوس والأرواح إلى فطرة الخير التي فطرها الله عليها.. الحاجّ الذي يرجو الله والدار الآخرة بحجه يعيش أيام الحجّ بروح تشبه أرواح الملائكة وهو يستحضر أنّه في أفضل أيام الدّنيا وفي أحبّ البقاع إلى الله، وكلّه أمل في أن يرجع من حجّه كيوم ولدته أمّه، ليس من الذّنوب فحسب، بل من كلّ الأوساخ والأدران التي علقت بروحه، ليعود بنفس بيضاء نقية طاهرة.. ولهذا كان الإمام الحسن البصريّ –رحمه الله- يقول: “الحجّ المبرور هو الذي يرجع صاحبه زاهدا في الدّنيا راغبا في الآخرة”.. وهكذا غيرُ الحاجّ الحريصُ على حسن استغلال العشر من ذي الحجّة، يمكن أن يخرج من العشر بروح بيضاء نقية، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وتنقضي العشر وقد كتب الله له أن تجاب دعواته وتلبّى رغباته.
في أيام الحجّ، ينبغي لنا أن نتذكّر أمانة الرّوح التي منحنا الله إياها بيضاء نقية، وأراد منّا أن نردّها يوم نردّها وهي بيضاء نقية كما أخذناها أول مرّة؛ نقية من التعلّق بغير الله، ومن التعلّق بالدنيا الفانية، ومن الغلّ والحسد والبغضاء والكبر…
إنّ أعظم نجاح في حياة كلّ واحد منّا، هو أن يرجع إلى الله بروح نقية على فطرتها الأولى، يقال لها يوم تفارق الجسد الفاني: ((يا أيها النفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي)).
في الأيام الماضية استشهد رجل مسلم يدعى أمين عبد الله، في كاليفورنيا الأمريكية، وهو يدافع عن المسلمين في أحد المراكز الإسلامية. كان موقفه بطوليا، وظهرت بطولته أكثر حينما قُرئت آخر رسالة كان قد كتبها.. قال في رسالته: “النجاح بالنّسبة لكثير من النّاس يعني الاستقرار المالي، والسمعة الطيبة، والجمال، وما إلى ذلك. أما بالنسبة لي أنا؛ فوالله، ثم والله، إن النجاح هو العودة إلى الله خالقي بذات الروح النقية التي أودعها فيّ عند ولادتي، وأن أسمع ملائكة الله تعالى تقول لي: “لا تخف ولا تحزن، بل استبشر بالجنة التي وعدك بها الغفور الرحيم””.. هذا مسلم جديد، فهِم هذه الحقيقة التي يقوم عليها الإسلام، في حين أنّ كثيرا من المسلمين يعيشون حياتهم كلّها ولا ينتبهون لهذا المطلب العزيز ولهذه الحقيقة المهمّة! حقيقة أنّ أعظم نجاح يحققه العبد المسلم هو أن يرجع الروح إلى خالقها كما أخذها.
في يوم الاثنين القادم، بإذن الله، ستتشنف أبصارنا برؤية حجيج بيت الله الحرام وهم بلباس الإحرام، يحرمون بحجّهم “لبّيك اللهمّ حجّة لا رياء فيها ولا سمعة”، ثمّ يملؤون الأجواء بالتلبية” “لبّيك اللهمّ لبّيك…”.. فما أكرم الإنسان وهو يلبّي نداء خليل الرحمن إبراهيم -عليه السّلام-، ليكون بين حجيج بين الله الحرام، في تلك البقاع الطّاهرة المباركة، ويؤدّي مناسك الحجّ في تلك المشاعر المقدّسة! فيا ليتنا كنّا معهم فنفوز فوزا عظيما!
إنّه لحريّ بنا، كلّ عام، عندما نرى حجيج بيت الله الحرام يحزمون أمتعتهم ليؤمّوا البيت العتيق، وحينما نراهم يؤدّون مناسك الحجّ في تلك البقاع، أن نسأل أنفسنا: ما الذي حال بيننا وبين أن نكون بينهم؟ ربّما نكون معذورين، لكن ربّما نكون أسرى لأنفسنا التي تعلّقت بالدنيا وآثرت الفاني على الباقي.. إنّنا أخشى ما نخشاه أن ننام هانئين مطمئنّين بأننا معذورون في التخلف عن الحجّ، ونحن الذين ننفق طولا وعرضا ونبذر يمنة ويسرة، ونؤجّل الحجّ عاما بعد عام لأنّ قلوبنا لم يخالطها الشّوق، وأنفسنا نسيت أنّ الحجّ هو الركن الخامس لديننا.
إن حرمتنا الدنيا أن نكون مع الحجاج بأبداننا، فلنكن معهم هذه الأيام القادمة بقلوبنا. ربّنا الكريم –سبحانه- جعل أيام العشر من ذي الحجّة أفضل أيام الدّنيا لعباده الحجيج ولغيرهم، ليعيشوا جميعا روحانية الحجّ، ويتعرّضوا لرحمات الله التي تُصبّ صبا على عباد الله الحجيج وعلى غيرهم في هذه الأيام. ووالله لو كنّا نرى قدر ما ينزل من رحمات الله في هذه الأيام لطارت قلوبنا فرحا بما نرى وحبا لخالقنا الكريم سبحانه.
إذا كان الحجّاج يلبّون “لبّيك اللهمّ لبّيك” في حجّهم، فينبغي لكلّ واحد منّا أن يقول: “لبيـك ربي وإن لم أكنّ بينَ الزحَام مُلبيـا. لبيـك ربي وإن لم أكنّ بينَ الحجيج ساعيا. لبيـك ربي وإن لم أكنّ بينَ عبادك داعيا. لبيـك ربي وإن لم أكنّ بينَ الصفوف مصليا. لبيـك ربي وإن لم أكنّ بينَ الجموع لعفوك طالبا. لبيـك ربي فاغفر جميع ذنوبي دقها وجلها”.
ينبغي لكلّ واحد منّا أن يكون “لبّيك ربّي” شعارَه في حياته كلّها؛ كلّما سمع نداء الحقّ يعلو في السّماء “حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح”، قال: “لبّيك ربّي”.. وكلّما سمع أمرا أو نهيا في كتاب ربّه قال: “لبّيك ربّي”.. وكلّما سمع الدّاعي يحثّ على البذل والإنفاق وهو يتلو آيات القرآن، قال: “لبّيك ربّي”… وهكذا.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post لبّيك اللهمّ لبّيك appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk