لبيب: الإقصاء يولّد الكراهية .. والتنافس الرياضي العربي تحكمه السياسة

قال المفكر وعالم الاجتماع التونسي البارز الطاهر لبيب إنه “من الصعب إيجاد إمكانية للحد من الكراهية دون تحقيق العدالة الاجتماعية”، موردا أن الإقصاء وغياب الإنصاف يولدان الإحساس بالتمييز، الذي يولد العداء والتشفي وسائر أشكال الكراهية، وتساءل: “كيف نطلب من آلاف المضطهدين العاطلين عن العمل أو من الجهات المهمشة أن تميل إلى الجهات الميسورة؟ إن هذا حب مصطنع”.

وذكر لبيب، على هامش الندوة الافتتاحية لمهرجان “ثويزا” الثقافي بمدينة طنجة في دورته العشرين، أن “الحب والكره من طبيعة الكائن البشري، وهما أمران طبيعيان؛ ولذلك فليس من الضروري أن يكونا ضدين”، مبرزا أن “الضد الحقيقي للمحبة هو ‘قيمة’ أنتجها المجتمع وأطلق عليها اسم اللامبالاة، وهي أخطر من الكره والعداء، وقد أثبت التاريخ أنها في شقها الجماعي أسقطت دولا وأنظمة”.

وخلال الندوة التي أُقيمت تحت عنوان “دفاعا عن الحب في زمن الكراهية”، وهو شعار الدورة، رصد ضيف المهرجان، للمرة الثانية تواليا، حبا للذات يستدعي النظر، وقال: “الحب والكره لا يتصلان بالآخر وحده، وإنما يتصلان أولا وقبل كل شيء بالذات؛ فهناك حب لها قد تتضخم فيه الأنا إلى حدود النرجسية المرضية، وثمة في المقابل كره لها، وهو أخطر ما يمكن؛ لأنه يحول دون إرساء شروط للحب بين الإنسان والآخرين”.

وذكر الأكاديمي التونسي البارز أن “أبرز مثال في السياق العربي هو ما يسمى جلد الذات؛ فالعرب يفرطون في القيام بذلك، وهو موقف عدائي تجاه أنفسهم، مع العلم أن الذات المكروهة لا يمكن أن تقيم علاقة سليمة مع الآخر”، وأضاف: “لذلك، فإن علاقتنا بالغرب لم تستقم يوما عبر التاريخ، لأننا لم نعثر على ما يسميه الأنثروبولوجيون المسافة المناسبة، التي كانت القبائل تدركها بذكاء، فلا تقترب أكثر مما ينبغي حتى لا يقع الصراع، ولا تبتعد أكثر مما ينبغي حتى لا تنقطع الحاجة المتبادلة بينها”.

وشدد المتحدث على أن “الثقافة العربية، من جهة، هي الأقرب إلى أوروبا جغرافيا، والأبعد عنها اختلافا ثقافيا”، وزاد: “فهي مختلفة، لكنها في الوقت نفسه قريبة أكثر مما ينبغي من هذه الثقافة، وهو ما يفسر هذا المزيج من الإعجاب والعداء؛ فنحن ننظر إلى الغرب بوصفه مستعمِرا، بما يحمله ذلك من حمولة تاريخية، ولكننا في الوقت نفسه نعجب به لأنه متقدم”.

ويُضاف اليوم إلى هذه الظاهرة، وفق لبيب، “ظهور كراهية جوّانية بين العرب أنفسهم، ولا سيما بين الأنظمة العربية، وهو ما يسمح بانتقال المشاعر السلبية بسهولة إلى الجماهير، فتنتشر عدوى الكراهية بين الشعوب”، مقدما مثالا على ما يحدث في المنافسات الرياضية، ولا سيما في كأس العالم، قائلا: “إذا خسر منتخب عربي، وجد من يتشفى فيه ويحتفي بهزيمته، وهي كراهية ذات أصل سياسي أكثر منها رياضي”.

وأكد أن “الحب والكره واللامبالاة، بمختلف أشكالها، هي إنتاج اجتماعي، وينبغي النظر إليها باعتبارها منظومة أو نموذجا تفسيريا (Paradigm)”، وقدم الدليل على ذلك وهو أن “العرب أجادوا التعبير عن الحب عندما كانوا في أوج حضارتهم، شعرا ونثرا. فلما انحسر المد الحضاري، انتقل التعبير عن الحب من الشعر إلى التصنيف… وأصبح التعبير عن الحب أقرب إلى التنظير منه إلى الإبداع”.

ومضى قائلا: “اليوم، من الطبيعي أن يتراجع التعبير عن الحب، وأن يتفشى التعبير عن الكراهية، فثمة تطبيع مع الشر (banalisation du mal)، وتطبيع مع الكراهية (banalisation de la haine)، حتى أصبحت الكراهية هي النمط السائد، وأصبح الحب هو الاستثناء”. كما أبرز أن “الإنسان بات يعتاد يوميا أن يسب غيره ويشتمه، ولا سيما مع الانفلات الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت في كثير من الأحيان وسائل ‘تفاصل’ لا وسائل تواصل، لأنها تساهم في نشر الكراهية”.

واعتبر الأكاديمي التونسي الطاهر لبيب أن “السياسة والدين ضد الحب؛ فهما يكرهانه، لأن الحب لا يمكن السيطرة عليه، لكون السلطة يمكنها تنظيم الجنس قانونيا وإداريا، لكن لا يمكنها ضبط الحب أو محاسبة الناس عليه”، مسجلا أن “الدين أيضا، في بعض تجلياته الدعوية المعاصرة، يساهم أحيانا في هذا المسار الذي يقوض نشر قيم الحب”.

The post لبيب: الإقصاء يولّد الكراهية .. والتنافس الرياضي العربي تحكمه السياسة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress