لبنان والظلام الأبدي

لم يكن اختيار اسم “الظلام الأبدي” من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي لعملية عسكرية مدمرة في لبنان تفصيلاً لغويًا عابرًا، بل إعلانًا مكثفًا عن طبيعة مرحلة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية. نحن أمام حرب لا تستهدف فقط تدمير القدرات العسكرية لخصم محدد، بل تسعى إلى تعميم العتمة—ماديًا ونفسيًا وسياسيًا—على مجتمع بأكمله،  ونشر الرعب وإعادة تشكيل توازناته الداخلية تحت وطأة النار والقنابل وحمامات الدم.

في الخطاب الرسمي، للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تُقدَّم هذه العمليات باعتبارها “ضربات دقيقة” أو “جراحات عسكرية نظيفة” تستهدف عناصر محددة. لكن الواقع يرسم صورة مغايرة تمامًا: قوة نارية مفرطة تُستخدم ضد أهداف مدنية أن يُستهدف شخص أو شقة أو سيارة، فتُفرغ عليها عشرات القنابل، فذلك لا يمكن تفسيره كخطأ تكتيكي، بل هو خيار واعٍ يعكس فلسفة وعقيدة عسكرية قائمة على تعميم ورفع الكلفة. في هذا السياق، لا يعود المدنيون مجرد “أضرار جانبية”، بل يتحولون إلى عنصر ضغط مركزي في المعركة.

هنا، يصبح الحديث عن القانون الدولي الإنساني أقرب إلى ديكور، أمام مشاهد الأطفال والنساء والشيوخ الذين يُدفعون ثمن صراع لم يختاروه. المفارقة الأكثر قسوة تكمن في محاولة تسويق هذا الدمار باعتباره طريقًا إلى “التحرير” أو “تكريس  السيادة”. فكيف يمكن لقوة خارجية، تمارس هذا المستوى من العنف،  والتوحش أن تدّعي أنها تعبّد الطريق أمام شعب آخر، لينعم بالأمن والاستقرار؟ وأي سيادة تُبنى فوق ركام المدن وجثث المدنيين؟

الإدعاء بأن استهداف قوى بعينها داخل لبنان هو مدخل لتحريره، ينطوي على تناقض جوهري. فالسيادة لا تُفرض بالقصف. والاستقرار لا يُصنع عبر التدمير. بل إن مثل هذه العمليات، بما تتضمنه أحيانًا من توغلات أو سيطرة على أراضٍ دولة أخرى تحت ذريعة “العمق الاستراتيجي”، تطرح أسئلة حقيقية حول خرق قواعد النظام الدولي، وتحول “الأمن” إلى مبرر مفتوح لإعادة إنتاج منطق القوة.

لكن ما يمنح هذه العملية أبعادها الأعمق  والخطيرة هو توقيتها. فقد جاءت مباشرة بعد تفاهم هش بين الولايات المتحدة وإيران على وقف مؤقت للحرب، في لحظة كان يُفترض أن تتجه فيها المنطقة برمتها  نحو التهدئة. غير أن استثناء الجبهة اللبنانية من هذا التفاهم كشف عن مسار موازٍ: مسار يسعى إلى فك الارتباط بين الملفات، والتأكيد على أن أي ترتيبات إقليمية لا يمكن أن تقيد حرية العمل العسكري بالنسبة لإسرائيل.

في هذا السياق، تبدو العملية رسالة متعددة الاتجاهات: إلى إيران بأن نفوذها الإقليمي سيظل مستهدفًا، إلى الولايات المتحدة بأن القرار العسكري  الإسرائيلي ليس محل مساومة، وإلى الداخل الإسرائيلي بأن القيادة لا تزال قادرة على فرض معادلات القوة. وهنا يبرز البعد الداخلي بوضوح، إذ لا يمكن فصل هذا التصعيد عن الضغوط السياسية والانتقادات التي وُجهت إلى القيادة الإسرائيلية وتحديدا إلى بنيامين نتنياهو بعد التفاهم الأمريكي مع إيران، واعتُبرت ذلك إخفاقًا في تحقيق الأهداف الكبرى المعلنة.بما في ذلك تغيير النظام في طهران وتدمير قدراتها العسكرية بشكل كلي وبتر وكلائها في المنطقة.

أمام هذا الضغط، يصبح التصعيد أداة لإعادة ترميم الصورة التي أصيبت بخدوش  وإثبات “الحزم” عبر استعراض القوة. لكن هذا الاستعراض لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع اللبناني نفسه. والمنطقة وهذا المقصد الجيوسياسي  توقف عنده نتنياهو في عدة مناسبات وسياقات. فاستهداف بنية معينة لا ينفصل عن السعي إلى دفع الدولة إلى مواجهة داخلية، أو على الأقل إلى إعادة تعريف علاقتها بمكوناتها تحت ضغط الدمار. إنها معادلة قاسية: إما أن تضبط الدولة فاعليها، أو أن تتحمل مجتمعاتها كلفة الانهيار.

غير أن التأثير لا يتوقف عند حدود الدولة، بل يتسلل إلى عمق المجتمع. فمع تكرار الضربات واتساع دائرة الأذى، يصبح الرهان على تفكيك الجبهة الداخلية واضحًا: تأليب فئات ضد أخرى، تحميل طرف داخلي مسؤولية ما يجري، وإعادة إنتاج خطاب يُحمّل “المقاومة” مسؤولية جر البلاد إلى الحرب. إنها، في جوهرها، حرب على الوعي بقدر ما هي حرب على الأرض.

وسط هذا المشهد، يبرز الغياب العربي كعنصر بنيوي في المعادلة. فلا وجود لردع حقيقي، ولا لأدوات ضغط فعالة، ولا لإرادة سياسية موحدة. هذا الفراغ لا يمر دون أثر؛ بل يتحول إلى عامل مشجع على المضي في التصعيد، طالما أن الكلفة الإقليمية تبقى محدودة، وأن الرد لا يتجاوز حدود الإدانات اللفظية.

هكذا، لا تعود “الظلام الأبدي” مجرد عملية عسكرية، بل تتحول إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق: نظام إقليمي مفكك، توازنات دولية هشة، ومجتمعات تُدفع إلى حافة الانقسام تحت ضغط القوة. إنها حرب تُخاض بالقنابل، لكنها تُدار أيضًا بحسابات دقيقة للضغط النفسي والسياسي، حيث يصبح الهدف النهائي ليس فقط كسر الخصم، بل إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها.

اقرأ المقال كاملاً على لكم