لبنان: نقطة وصل لا ساحة اشتباك والحل من الجنوب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حسن وهبي


منذ الانهيار المالي عام 2019، تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع انهيار القطاع المصرفي، وتدهور العملة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والحروب المتتالية، ما كشف عن خلل عميق في منظومة الحوكمة وعجز الدولة عن بسط سيادتها وتأدية وظائفها الأساسية بكفاءة. وفي هذا السياق، تأذت حقوق اللبنانيين الأساسية، وأصبح جزء كبير من المجتمع يعتمد على الحماية الحزبية والتدخلات الخارجية بدلاً من مؤسسات الدولة.

تقدّم هذه الورقة رؤيةً استراتيجيةً متكاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
 أولاً - تحويل الجنوب إلى منطقة اقتصادية نموذجية.
 ثانياً - استقطاب استثمارات دولية في قطاعات الإسكان والبنية التحتية والطاقة.
 ثالثاً - إنشاء هيئة اقتصادية مستقلة تحت إشراف دولي.

 

ثانياً: الحل يأتي من الجنوب — المنطقة الاقتصادية  الخاصّة

يُشكّل الجنوب اللبناني تاريخياً الميدان الأكثر تأثراً بالصراعات الإقليمية. غير أن هذه الحقيقة بالذات تجعله المنطقة الأمثل لإطلاق مشروع تحوّل استراتيجي ومنصة استقرار وتنمية قائمة على تشابك المصالح الدولية. يرتكز المشروع على إنشاء منطقة اقتصادية خاصة تتميز بمواصفات تشغيلية صارمة تُعيد تعريفها كمنطقة مصالح اقتصادية تجعل الصراع مُكلفاً للجميع.

ويعتمد هذا النموذج على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها تعزيز الدور الأمني للجيش اللبناني ضمن إطار دولي منظم، والعمل تحت ادارة الهيئة الاقتصادية المستقلة المستحدثة التي تضمن تمثيل المجتمعات المحلية إضافة إلى فتح المجال أمام استثمارات دولية متعددة الجنسيات تُعزز الترابط الاقتصادي وتخلق حوافز مباشرة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.


ثالثاً: الشراكات الاستثمارية الدولية 

  برنامج الإسكان — نموذج إعادة البناء الشامل

يتطلّب الحل الاستراتيجي الشامل معالجة الأزمة السكنية على مستوى لبنان ككل، سواء في المناطق المتضررة في الجنوب أو في الأحياء القديمة بمختلف المدن اللبنانية. ويستند البرنامج المقترح إلى نماذج الإسكان الحديثة المستوحاة من التجربة السعودية ضمن رؤية 2030، من خلال توفير إسكان ميسور التكلفة للطبقات الوسطى ومحدودي الدخل.

كما يشمل البرنامج إعادة إعمار مناطق الجنوب وفق معايير عمرانية حديثة تعزز السلامة والاستدامة، إلى جانب ترميم الأبنية المتهالكة في بيروت وسائر المدن ضمن خطط حضرية متكاملة. ويرتبط برنامج الإسكان كذلك بمبادرات التوظيف والتمويل المرن والتأهيل المهني، بما يضمن تحقيق أثر تنموي مستدام وخلق فرص اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

 

البنية التحتية — الشراكة التركية والآسيوية

تُشكّل إعادة تأهيل البنية التحتية اللبنانية، بما تشمل من قطاعات الطاقة والطرق والموانئ والاتصالات، فرصة استثمارية استراتيجية واسعة النطاق. وتبرز تركيا وعدد من الدول الآسيوية كشركاء تنافسيين في هذا المجال بفضل خبراتهم الكبيرة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية بكفاءة عالية وتكلفة تنافسية.

فتركيا تمتلك قطاعاً إنشائياً متقدماً قادراً على تنفيذ المشاريع بجودة مناسبة وأسعار تنافسية، فيما أثبتت دول مثل الصين قدرتها على إنجاز مشاريع ضخمة ضمن جداول زمنية سريعة في الأسواق الناشئة. كما يساهم تنويع الشركاء الآسيويين في الحد من الاعتماد على طرف واحد، وتعزيز المرونة التنافسية وضمان أفضل قيمة اقتصادية للمشاريع اللبنانية.


قطاع النفط والغاز — الشراكة الأمريكية  والغربية

يُشكّل الاستثمار في الثروات البحرية اللبنانية من النفط والغاز أحد أكثر القطاعات جاهزية للانطلاق، نظراً لتوافر الإمكانات التقنية واهتمام الشركاء الغربيين بالاستثمار فيه. وتوفّر الشراكة الأمريكية والغربية في هذا المجال مزايا استراتيجية تشمل تعزيز الاستقرار عبر الضمانات الأمنية والتقنية، وخلق مصالح اقتصادية دولية مباشرة تدفع نحو حماية الاستثمارات واستدامة العمليات. كما يُمكن لعائدات النفط والغاز أن تُشكّل مصدراً أساسياً لتمويل برامج التنمية ودعم الاقتصاد اللبناني، شرط إدارتها ضمن صندوق سيادي مستقل يخضع لإشراف دولي ويبتعد عن آليات المحاصصة التقليدية. 

 

 

القطاع الزراعي — الشراكة الخليجية

يمتلك القطاع الزراعي اللبناني، خصوصاً في البقاع والجنوب، ميزات تنافسية غير مستثمرة بالشكل الكافي، ما يفتح المجال أمام شراكات استراتيجية مع دول الخليج العربي. وتستند هذه الفرصة إلى حاجة هذه الدول لتعزيز أمنها الغذائي، إضافة إلى خبرتها المتقدمة في تقنيات الزراعة الحديثة والري، فضلاً عن الروابط الثقافية والدينية التي تسهّل التعاون المشترك. 

ويقوم نموذج الشراكة المقترح على استثمار الأراضي الزراعية عبر كيانات خليجية بالشراكة مع أطراف لبنانية محلية، تحت إشراف الهيئة الاقتصادية المقترحة. ويتم تخصيص جزء من العائدات لتنمية المجتمعات المحلية وتطوير البنية التحتية الزراعية وإنشاء برامج تدريب مهني لبناء كوادر زراعية لبنانية متخصصة.

 

رابعاً: الهيئة الاقتصادية اللبنانية — إطار الحوكمة الجديد
  المبادئ التأسيسية
يُشكّل إنشاء هيئة اقتصادية مستقلة الركيزة الأساسية للحل الاستراتيجي المقترح، إذ تُظهر التجربة اللبنانية أن محاولات الإصلاح عبر الوزارات القائمة غالباً ما تواجه عوائق بنيوية تحدّ من فعاليتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى كيان مستقل يتمتع بحوكمة واضحة وصلاحيات مرنة وقدرة تنفيذية فعّالة.

 

النماذج الدولية الملهِمة

تُظهر التجارب الإقليمية الناجحة أن إنشاء هيئات اقتصادية مستقلة عن الجهاز التنفيذي التقليدي ليس مجرد طرح نظري، بل نموذج عملي أثبت فعاليته. فقد نجحت المملكة العربية السعودية عبر مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية والهيئات الملكية في تطوير نماذج تنموية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة واستقلالية تشغيلية، بينما رسخت الإمارات تجربة المناطق الحرة في دبي وكيانات مثل ADIA من خلال الحوكمة المستقلة والإدارة الاحترافية والبيئات الاستثمارية التنافسية.

 

الصلاحيات والاختصاصات

تُمنح الهيئة الاقتصادية اللبنانية صلاحيات تنفيذية واسعة تُمكّنها من العمل بكفاءة واستقلالية. وتشمل هذه الصلاحيات منح وإلغاء التراخيص الاستثمارية ضمن نطاق اختصاصها، وإبرام الاتفاقيات والعقود مع الجهات الدولية بتفويض واضح من الدولة اللبنانية، إضافة إلى إصدار اللوائح التنظيمية وإدارة الأصول والموارد الحكومية المرتبطة بمشاريعها. كما تتمتع الهيئة بسلطة نزع الملكية للمنفعة العامة وفق آليات قانونية شفافة وتعويضات عادلة، بما يضمن تسريع تنفيذ المشاريع التنموية وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية ضمن إطار مؤسساتي مرن وفعّال.

 

آلية الإشراف الدولي

لضمان نزاهة الهيئة واستدامة حيادها، تُدار ضمن إطار رقابي تشرف عليه لجنة دولية مستقلة تضم ممثلين عن الأمم المتحدة، بما في ذلك البرنامج الإنمائي والمفوضية الاقتصادية الأممية، إضافة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لضمان سلامة الإطار المالي والالتزام بالمعايير الدولية. كما تضم اللجنة ممثلين بصفة مراقبين عن الدول الشريكة الرئيسية، مثل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى جانب مشاركة فاعلة لمنظمات المجتمع المدني اللبنانية بهدف تعزيز الشفافية وضمان ارتباط الهيئة بالاحتياجات الفعلية للمجتمع اللبناني.

 

 

 

 

خامساً : خارطة  الطريق التنفيذية

تُنفَّذ الاستراتيجية المقترحة عبر ثلاث مراحل مترابطة تهدف إلى الانتقال التدريجي من التأسيس المؤسسي إلى التشغيل ثم التوسع المستدام. 
تبدأ المرحلة الأولى خلال السنة الأولى بإقرار الإطار القانوني وإنشاء هيئة مستقلة قائمة على الكفاءة والحوكمة، إلى جانب توقيع الاتفاقيات التأسيسية مع الشركاء الدوليين وإعداد الدراسات اللازمة لإطلاق المشاريع.

تمتد المرحلة الثانية من السنة الثانية إلى الخامسة، وتركّز على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار والإسكان والبنية التحتية الأساسية، بالتوازي مع تشغيل المنطقة الاقتصادية الجنوبية وبدء استثمارات البنية التحتية والزراعية ومنح التراخيص للمشاريع الاستثمارية.
وتبدأ المرحلة الثالثة بعد السنة الخامسة حيث يتم توسيع نطاق عمل الهيئة جغرافياً وتفعيل الاستثمارات في قطاع النفط والغاز، مع مراجعة منظومة الحوكمة وتقييم الأثر التنموي بهدف تطوير المرحلة التالية وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والمؤسساتية.

 

الرؤية الاستراتيجية — لبنان نقطة  وصل

إن المنطقة الاقتصادية الجنوبية والهيئة الاقتصادية المستقلة والشراكات الدولية المقترحة، ليست مجرد مشاريع استثمارية، بل فرصة تاريخية لتحويل الجنوب من منطقة نزاع إلى نموذج للتنمية والاستقرار، ومنطقة يملك أهلها حقهم الكامل في الأمن والعمل والحياة الكريمة ضمن دولة قوية ذات سيادة حقيقية.

 

تقوم هذه الرؤية على خلق بيئة جاذبة للاستثمارات تُعيد بناء البنية التحتية، وتوفّر فرص العمل، وتُطلق مشاريع إسكان وزراعة وطاقة تعود بالنفع المباشر على أبناء الجنوب واللبنانيين أجمعين، بعيداً عن منطق الارتهان للمساعدات المؤقتة والحسابات الخارجية. فالهدف ليس فقط إعادة الإعمار، بل بناء اقتصاد منتج يتيح للشباب البقاء في أرضهم وبناء مستقبلهم بكرامة واستقرار ويعيد للبنان الصورة الذهنية التاريخية كونه نقطة وصل.

 

*مستشار عقاري

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية