لبنان فيليب سالم
رؤوف قبيسي
في العام 1925 نشر جبران خليل جبران في جريدة "السائح"، مقالته الشهيرة "لكم لبنانكم ولي لبناني". كانت تلك المقالة رسالة فنان تتألم روحه مما يتعرض له وطنه من مآسٍ وكوارث، اختصرها صاحب "النبي" بقوله: "لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني. لبنانكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي بالضبع، والضبع حينما يجتمع بالذئب، أما لبناني فتذكارات تعيد إلى مسمعي أهازيج الفتيات في الليالي المقمرة، وأغاني الصبايا بين البيادر والمعاصر".
لم يطل العمر بجبران ليعود إلى لبنان ويسمع "أهازيج الفتيات وأغاني الصبايا"، فرحل وهو في الثمانية والأربعين من العمر، وبقيت دعواته التي كان يطلقها من مهجره في نيويورك حبراً على ورق، وإذا الوطن الذي ولد فيه وتمناه أن يكون جميلًا كجمال روحه، لا يزال بلداً تسرح الذئاب والضباع بين بيادره ومعاصره، وتنهش روحه.
قد تتساءل أيها القارئ الكريم، لماذا جئتُ بالكلام عن جبران، وعنوان هذا المقال هو "لبنان فيليب سالم"؟ السبب أن لبنان فيليب سالم ذكّرني، ولا بد أنه سيذكر الكثيرين من اللبنانيين بلبنان جبران. ولقد شاءت المصادفة، وأنا أدخل شبكة "الإنترنت"، أن أجد حواراً على أحد المواقع الإعلامية (Hot Spot) مع هذا الدكتور اللبناني الذي ذاع صيته في الآفاق اللبنانية والعربية والدولية، فوجدت عقلاً راجحاً، وفكراً نيّراً، وثقافةً إنسانية، ورؤى صائبة في النظر إلى لبنان، ووجدت، فوق ذلك كله، اعتدالاً في الرؤية، ووطنية صادقة متحررة من المصالح الشخصية، والنزعات الدينية البدائية التي زرعها النظام الطائفي اللبناني في وجدان الغالبية من اللبنانيين. كل الذي كنت أعرفه عن الدكتور سالم أنه طبيب متخصص في أمراض السرطان، يعيش بين أميركا ولبنان، ومعروف على المستوى العربي والعالمي. لم أعرف عن ثقافته وفكره إلا من خلال مقالات كان ينشرها في "النهار"، قرأت بعضها وفاتني بعضها الآخر. أما في ذلك الحوار معه على الشاشة، فكانت المرة الأولى التي سمعته فيها متحدثا. وجدت في كلامه لبناناً من نوع آخر، لم أجد ما يماثله في خطاب أي مفكر لبناني، أو خطاب أحد من أصحاب الرأي في لبنان، على اختلاف آرائهم وتباين معتقداتهم.
كان يتحدث عن وطن يرضيني ويرضي من هم من أمثالي كل الرضا، فأنا من الذين لم ينتموا يوماً إلى حزب، أو يصفقوا لزعيم، أو يدلوا بأصواتهم في انتخابات نيابية أو بلدية، انطلاقًا من قناعة ذاتية لا تتزعزع، بأن المشاركة في نظام الطوائف، ترشحاً أو تصويتاً، هي دعم للنظام، وخيانة للوطن بكل ما تعنيه الخيانة من معنى؛ ذلك لأن المجلس النيابي اللبناني في نظري هو مجلس نواب طوائف لا نواب وطن، وانتخابهم عن طريق آليات دينية مذهبية يعني إحلال الهويات الطائفية محل الهويات الوطنية، لأن الهويات الطائفية هويات قاتلة، وشكل من أشكال العنصرية التي تفّرق بين الناس، ولا صلة بينها وبين الإيمان الصافي النابع من القلب، وهذه لا تتلاشى إلا في ظل دولة مدنية خالصة ،تحافظ على جوهر الدين، ولا تعير طقوسه وقشوره أهمية، وتترك التدّين قراراً فردياً حراً، وشأناً خاصاً بين المرء والسماء.
"لبنان فيليب سالم" هو النظام المدني العلماني الذي يهيئ لبنان لأن يكون منسجماً مع نفسه، ومتصالحاً معها إلى أبعد الحدود، ومتحرراً من أثر العصبيات الدينية التي تفسد العقول والقلوب، وتضعف الروح الوطنية الجامعة، وبها يصبح المواطن عاجزاً عن فهم نفسه، وعاجزاً عن الإجابة عن السؤال المتصل بالبحث عن الذات والروح الوطنية أو القومية الذي هو... من أنا؟ لا يحتاج الجواب عن هذا السؤال إلى تحليل عميق يقوم به فلاسفة ومصنفون ومؤرخون! الجواب أسهل ما يكون؛ فنحن في آخر المطاف، أبناء حضارات نشأت على أرضنا، وكونت هويتنا عبر العصور. نحن عرب وفينيقيون وأراميون في الوقت نفسه، ولا ضير في ذلك ولا تعارض. يكفي أن نتأمل معاني أسماء مدننا وبلداتنا وقرانا لنعرف حقيقتنا وهويتنا، وندرك أن لبنان بلد ذو رسالة فريدة من نوعها، نشدّد على هويته العربية المتحررة من وضر الطائفية وغلواء التدين، وعلى تراثه الكنعاني، الذي ما زال فاعلًا فينا، سواء شئنا ذلك أم أبينا، وعلى خصائص لبنان المتوسطية المستمدة من حضارة البحر المتوسط، وروابطه الثقافية مع الغرب، ومع فرنسا ودول أوروبا المتوسطية بنوع خاص.
هذا هو لبنان الحقيقي، وهذا هو إرثه وتاريخه، وأي انحراف عن هذا النهج جريمة لا تُغتفر! لبنان هذا رأيته مجسداً خير تجسيد في كلام الدكتور فيليب سالم. وجدت النقاط التي تطرق إليها في حواره التلفزيوني متماثلة كل التماثل مع رؤيتي إلى لبنان كما يجب أن يكون. وبعد أن فرغت من الاستماع إلى الحوار، اتصلت بالشاعر هنري زغيب وطلبت إليه أن يرسل إليّ رقم الدكتور سالم. لم يمض سوى خمس دقائق حتى عاد إليّ الصديق الشاعر قائلاً إن الدكتور يرحب باتصالي، وإنه يعرف عني بعض ما قرأه لي من كتابات في صفحات "النهار"، تضمّنت أفكار مشابهة لرؤيته حول لبنان. لم يكن مرادي أن أنقل إلى الدكتور سالم إعجابي وتقديري بما سمعت من حديثه فحسب، بل أن أنقل إليه رغبتي في إجراء حوار معه للنشر.
هنا أريد أن أعترف بأن نقطة واحدة من حديثه أثارت لديّ شيئاً من الريبة، وتتصل بكلامه عن لبنان "التعددية الحضارية". خشيت أن يكون المقصود بهذا التعبير ذلك الشعار الذي طالما رفع أعيان النظام اللبناني الفاسد راياته ومنها: "تصالح الأديان"، "الحوار بين الأديان"، "بلد العائلات الروحية"، وما شابه من مفاهيم قائمة في رأيي على الرياء والنفاق واستغلال اسم "الله" لمصلحة المرجعيات الدينية وزعماء الطوائف، ولم يجنِ لبنان منها غير الخراب وتعدد الولاءات، وكانت ولا تزال عقبة كأداء أمام أبناء الوطن ليصبحوا شعباً حراً متجانساً في أحلامه وأمانيه وتطلعاته نحو الحاضر والمستقبل. وكم كان سروري عظيماً حين وجدت أن معنى "التعددية الحضارية" عند الدكتور سالم لا يعني تعدد الأديان والمذاهب، بل يعني تعدد حضارات قديمة نشأت ونمت في مدن مثل صور وصيدا وبعلبك وجبيل وبيروت، وتركت إرثاً عمرانياً وتجارياً وأدبياً وفنياً جعل من لبنان نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ومعجن حضارة فريد من نوعه، لا أجد من الكلام أجَلّ وأبهى مما قاله الأديب الراحل عمر فاخوري في كتابه "الحقيقة اللبنانية" عن لبنان واللبنانيين: "أبناؤه في النواحي الأربع من الأرض، بناة المدن والسفن، المخاطرون غير مغامرين، المثقفون طبعاً وتطبعاً، المحافظون في غير تزمت، المجددون دون تعسف، مخترعو الأبجدية قديماً، وحضنة العربية حديثاً، أبناؤه السمر الميامين، حملة رسالته الثقافية في العالم".
من طالع سعد اللبنانيين أن لبلدهم جمالاً فتّاناً، وطبيعة خلابة فريدة من نوعها، وله من مكونات الحضارة ما يجعل أي شعب، لو كان لبلده ما للبنان، أن يفتخر به بين الأمم. هذه المكونات تراث نادر، لم يقدّره لبنان بعد حق التقدير، ولن يقوى به ويتألق إلا ساعة يخرج من ثقافة القطيع والرعيان إلى رحاب الحياة الحرة الكريمة، ويصبح سيداً على نفسه، ويعمل بنظام يحفظ له هذه المكونات، ويصونها من عبث منظومة حاكمة هدفها التفرقة والسيطرة والقضاء على أي أمل بقيام دولة مدنية جدية، هي النجعة الوحيدة التي تنقذ لبنان من عثراته، وتشفيه من أمراضه.
قال الدكتور سالم إن إلهه ليس إله إسرائيل ولا إله إيران، وأن الحل الوحيد للبنان في رأيه بناء دولة ينفصل فيها الدين عن السياسة انفصالاً كاملاً، حفاظاً على الدين كرسالة إيمان، وعلى السياسة كموقف وطني يعلو على ما عداه من مواقف. قال أيضاً: "لا أحد في لبنان من التجمعات السياسية والمرجعيات الدينية يريد الدولة، بل يريدون لبنان المنقسم على نفسه، ليبقى كل زعيم منهم .
يعترض الدكتور سالم على سياسة من يدعون إلى الحياد، ويقول إن فكرة الحياد مفهوم متخلف، وأشار إلى مقال له في "النهار" حول هذا الموضوع. يؤمن بأن لبنان لا يمكن أن يخرج من جلده ومحيطه ويقول "ما خصني". يعتبر ذلك موقفاً طفولياً، ويذهب إلى أبعد من ذلك ويقول إن لبنان لا يمكنه أن ينفصل عن موقعه الجغرافي في هذه المنطقة العاصفة من العالم ما يفرض عليه أن يعتمد حياداً من نوع آخر، يسميه «الحياد الفاعل" (Active Neutrality). ويرى أن على لبنان أن يشارك في قضايا المنطقة بدبلوماسية ذكية ولا يكون فيها رديفاً لمحور، أو عدواً لأحد، وهي الطريقة الوحيدة في رأيه، ليحافظ لبنان على حياده وسلمه وأمانه، ويدرأ عن نفسه الأخطار وصروف الزمان. يشير إلى كتاب وضعه تحت عنوان "البنان لحياد الفاعل"، وفيه يتوسع في شرح معنى الحياد الذي يدعو إليه، ويقول إن هذا الحياد هو حياد استباقي (proactive) يستبق الأحداث ويحول دون وقوعها، خلافاً لسياسة النأي بالنفس (Self-distancing) التي قد تجر على البلد أخطاراً من كل حدب وصوب، ويكون موقف لبنان فيه موقف المتفرج، يقرر الغرباء مصيره ومصير شعبه.
ليس من شك في أن لبنان شهد قبل الحرب الأهلية وما أعقبها من حروب، فترات من البحبوحة، لكنها كانت مؤقتة تطول وتقصر، ومع الأيام كان بريقها يخبو. يعتبر الدكتور سالم أن تلك الفترات كانت "استقراراً لفظياً". يُدين الغالبية من اللبنانيين ويقول إنهم ليسوا أبرياء، ويعتبرهم مسؤولين عن الحال التي وصل إليها لبنان، بانتخابهم زعماء فاسدين رشوا الناس ونهبوا الدولة، ومع ذلك صوتوا لهم وأعادوهم إلى كراسي الحكم". يضيف: "من المؤسف أن اللبنانيين لم يصلوا بعد إلى مرحلة من النضوج والوعي السياسي ليحصوا أخطاء السياسيين ويحاسبوهم على أفعالهم وفسادهم". وعن ذلك يقول: "إن لبنان سار، ولا يزال يسير في الطريق الخطأ ومنذ أكثر من مئة سنة، ولا يعرف كيف يستغّل قدراته". أسأله عن هذه "القدرات" ما هي فيجيب: "لبنان متحف مفتوح على ألوان مختلفة من الحضارات والآثار والتاريخ، وطبيعة ساحرة من جبال وبحر وسهول وثروة لا مثيل لها من ماء وهواء وتربة، وهو لا يحتاج ليخلق الأساطير الكاذبة من حوله ليحقق ذاته ويعلنها للملأ كما فعلت إسرائيل. حقائق لبنان كامنة فيه، في حين إن إسرائيل اغتصبت عقل الغرب قبل أن تغتصب الأرض في الشرق، وروّجت لأسطورة إسرائيل الكبرى، وخرافة شعب الله المختار، مصورين الله كأنه تاجر عقارات، عنده شعب يحبه ويعده بأرض، ولا يعير اهتماماُ لغيره من الشعوب".
لا يعتّد الدكتور سالم بسياسة النأي بالنفس ويعتبرها "لعبة ولاد صغار"، ولا تأتي بشيء مفيد، "لأن كل من في العالم حول لبنان يعمل لمصالحه الخاصة، وعلى لبنان أن يكون حكيماً ليصون مصلحته بالمشاركة الفعالة، لا بالوقوف موقف الناظر". يسخر من مفهوم "الحياد الإيجابي" ويصفه بالشعار الفارغ الذي لا معنى له. ويضيف: «إذا قلتُ ما خصني، سوف يدخل عليّ السوري أو الإسرائيلي أو الإيراني وينتهك سيادة بلدي".
لا شيء عند فيليب سالم أسوأ من لقب الزعيم، ويعتبر الزعيم "مصلحجي" من الطراز الأول، فهو لا تهمه إلا مصالحه، ومصالح المحيطين به من الأجراء، وإذا قام ببعض الخدمات للمواطنين فإنه يفعل ذلك ليضمن استمرار زعامته عليهم، وفي أكثر الأحيان تكون هذه الخدمات مخالفة للقوانين وحلقة من سلسلة مدروسة من عمليات اغتيال الدولة. لا يبرئ أحداً من السياسيين، من هذا التيار أو ذاك، ولا مرجعية واحدة من المرجعيات الدينية، ويعتبرهم جميعاً مسؤولين عن خراب البلد. يمقت شعار "التعايش" الذي ينادي به بعض السياسيين ورجال الدين، لأنه، في رأيه، يحول دون الانصهار والتجانس، ويصور لبنان مثل طوائف مرغمة على أن تتساكن فيما بينها بالكذب والخداع، في دولة هزيلة تفتقر إلى الثبات والقدرة على البقاء. يدعو إلى الوحدة الوطنية تحسباً من انزلاق لبنان إلى محور من المحاور. يتفهم مآسي الجنوبيين، ويدعوهم إلى عدم الوقوع في فخ الشعارات البراقة، وتحويل أرضهم إلى ساحة حروب لدول غريبة أياً تكن هذه الدول. يقول إن لبنان واقع بين بلدين صعبين جداً هما إسرائيل وإيران، وهو صغير لا يقوى على مواجهة أي منهما، كما يرى أن كلا البلدين ينتهجان سياسة دينية خطرة على شعبيهما وعلى العالم. ويؤكد أن الجيش اللبناني ليس لديه القوة الكافية ليحارب إسرائيل، ولا يريد أن يرى هذا الجيش يحارب فئة من اللبنانيين. ينتقد تعبير "نزع سلاح حزب الله"، ويرى فيه شيئاً من التشفي والتحدي لا يليق ببلد يجب أن يقوم على الرضا والتسامح، لكنه يصر في الوقت نفسه على أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها لا بيد أي حزب من الأحزاب. وحين سألته عن طبيعة الدولة التي يريد أن يكون السلاح محصوراً بيدها وحدها، لم يتردد لحظة في القول إنها الدولة المدنية. يعُّول على الولايات المتحدة في حماية لبنان من إسرائيل، على الرغم من إقراره بأن أميركا ليست وسيطاً نزيهاً، وأنها تميل بكفتها أولاً لمصلحة إسرائيل، لكنه يصر على القول إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يمكنها الضغط على إسرائيل، والمساهمة في حل الأزمة اللبنانية.
ينشد الدكتور سالم السلم العادل مع إسرائيل، ويقول إن لا مصلحة للبنان في معاداة أي دولة، ويريد أن تكون علاقته طبيعية ومستقرة مع دول العالم كلها، بما في ذلك السعودية وإيران. وهو مع إلغاء مادة التربية الدينية من برامج المدارس "لأن زعماء الطوائف والمرجعيات الدينية استخدموا اسم الله لأغراضهم الأرضية، واغتالوا الدولة والمواطن الذي صار مرتهنا لهم". ويضيف: "كان يكفي للزعيم التاجر المتآمر أن يعلن من على شاشة التلفزيون أن مرجعه دمشق مثلاً، ليعود إلى بيته مطمئناً، من دون أن يفعل شيئا مفيداً للبلد والناس، وهذا كله نتيجة خطأ في فهم معنى الانتماء إلى لبنان، لأننا لم نعّلم أولادنا منذ الصغر ثقافة الانتماء إلى الوطن، وقيمة لبنان بما يختزنه من مرتكزات عظيمة، ومنها هذا المواطن المبدع في كل حقل يعمل فيه، وما في أرض هذا البلد الصغير من قيم وتراث وآثار ومآثر هي قوام فرادته بين الدول والشعوب والأمم". وهذا التنوع الفريد الذي يتجلى في "لبنان فيليب سالم" لخصه الدكتور اللبناني متذكراً عبارة أدبية إنسانية قالها له أحد أصدقائه مشافهة: " إذا زار المرء روما فهو قد ذهب إلى إيطاليا، وإذا زار لندن فهو في إنكلترا، وإذا زار باريس فهو في فرنسا، أما إذا ذهب لبنان فقد ذهب إلى العالم كله"!
لفيليب سالم نظرة خاصة إلى الكون والوجود. وكانت مادة الفلسفة التي درسها على الدكتور شارل مالك في الجامعة الأميركية في بيروت منطلق شغفه بهذا الحقل، ونافذته إلى قراءات فلسفية واسعة ومتنوعة. وقد أثار فضولي قوله في حواره التلفزيوني إنه لا يؤمن بإله إسرائيل ولا بإله إيران. لقد آمن كثير من الفلاسفة والعلماء بالله، لكن كلٌّ منهم على طريقته الخاصة. فمنهم من كان مؤمناً، ومنهم من كان ملحداً، ومنهم من كان لا أدرياً (Agnostic). إسحاق نيوتن، مثلًا، لم يكن يعتدُ بالكتب "المقدسة"، لكنه كان يؤمن بخالق للكون. ألبرت آينشتاين كان يؤمن بإله سبينوزا، أي إله الكون والطبيعة، حتى إنه وصف في رسالة إلى أحد أصدقائه صلوات اليهود عند حائط المبكى بأنها "تصرفات طفولية". ورتراند راسل أعلن إلحاده بوضوح في كتابه "لماذا لستُ مسيحيًا"، فيما رأى كارل ماركس أن الدين ظاهرة اجتماعية وتاريخية، واعتبر لودفيغ فويرباخ أن فكرة الإله ليست سوى إسقاط لرغبات الإنسان المثالية. أما فريدريك نيتشه فأطلق مقولته الشهيرة "مات الإله، ووجّه نقداً جذرياً للمسيحية، بينما بنى جان بول سارتر فلسفته الوجودية على أن الإنسان مسؤول عن صنع معنى حياته من دون افتراض وجود إله، وهو ما اقترب منه أيضاً ديفيد هيوم.
بعد هذا العرض، يبقى السؤال: أيُّ إله يؤمن به فيليب سالم، وكيف وصل إليه؟
يجيب: "كان راسل فيلسوفاً درس الرياضيات، لكنه فلسفته بقيت نظرية، وكان آينشتاين فيزيائياً. أما أنا فقد عرفت الله من خلال مهنتي طبيباً وبيولوجياً. عرفته في الخلية، وهي العالم الذي تختصر فيه الحياة كلها. ومن خلال تأملي في هذا العالم المدهش، وصلت إلى قناعة بأن الله أعظم من أن يحيط به العقل البشري أو يستوعبه. آينشتاين لم يكن بيولوجياً ليختبر هذا الطريق إلى معرفة الله، فالخلية الإنسانية تبلغ من الدقة والكمال حدًّا يجعل من الصعب تصور أنها وجدت مصادفة أو من فراغ، فلا بد من خالق يقف وراء هذا النظام المدهش".
ويتابع: "أؤمن بالله المحبة، ربِّ العالمين. ولا أرى أن جوهر الإيمان يكمن في الطقوس، أو في الجدل حول وجود المسيح التاريخي من عدمه، أو في نسبه، بل في رسالة الدين التي تقود الإنسان إلى معرفة الله المنزَّه عن رغبات البشر وأهوائهم. وعندما نعرف الله على هذا النحو، لا نحتكره لدين دون آخر، ولا نحصره في دولة أو مذهب، ولا نجعل اسمه أداة في السياسة أو ذريعة لإشعال الحروب. ويؤسفني أن أقول إن الإسرائيليين والإيرانيين لا يعرفون أن الله محبة وتواضع وغفران". ويختم قائلاً: "عرفت الله أيضاً من خلال أوجاع الناس الذين مرّوا بين يديّ، ومن خلال الألم الذي أراه مصهراً للمحبة. فالألم يجرّد الإنسان من قشرته الخارجية، ويكشف حقيقته العميقة، وفي هذا الوجع يتجلّى الله، بعيداً من كل التصنيفات: درزياً كان المرء أم مسيحياً أم مسلماً أم بوذياً، لأنه في النهاية ربٌّ للجميع".
آثرت بعد أنهيت هذا الحوار الهاتفي الشائق مع الدكتور فيليب سالم أن أعرف مزيداً من الأشياء عن الرجل، خشية أن تكون الذاكرة قد خانتني، وأن أكون قد فاتني تدوين بعض ما يهم القارئ، فإذا ما هو مدون على الشبكة، يفوق بما لا يقاس ما كنت أعرفه عن خصال الرجل ودقائق فكره ومذهبه في الحياة، وإذا بنا أمام رجل من أبرز الشخصيات اللبنانية التي استطاعت أن تجمع بين التميّز العلمي والرؤية الفكرية والالتزام الوطني. فقد نجح على امتداد أكثر من خمسة عقود، في ترسيخ اسمه في الأوساط الطبية العالمية بوصفه أحد رواد علاج السرطان، وفي الوقت نفسه برز مفكراً وكاتباً حمل هموم لبنان والإنسان إلى المحافل الفكرية والثقافية.
وُلِد الدكتور فيليب سالم سنة 1941 في بلدة بطرام في قضاء الكورة شمال لبنان، ودرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم تابع اختصاصه في الولايات المتحدة في مراكز طبية رائدة، منها مركز (Memorial Sloan Kettering Cancer Center) في نيويورك، ومركز " M D Anderson" في مدينة هيوستن. عاد إلى لبنان في بداية السبعينيات ليؤسس أول برنامج متكامل لعلاج السرطان وأبحاثه في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم هاجر مجدداً إلى الولايات المتحدة في العام 1987 بسبب ظروف الحرب اللبنانية، حيث واصل مسيرته العلمية، وأسّس لاحقاً مركزاً متخصصاً لعلاج السرطان في هيوستن.
تميّزت مسيرته الطبية بإسهامات بارزة في تطوير علاج السرطان والبحث العلمي، وكان من أوائل الأطباء الذين دعوا إلى اعتماد البحث العلمي منهجاً أساسياً في تطوير الطب، كما أسهم في تدريب أجيال من الأطباء والباحثين في لبنان والعالم العربي والولايات المتحدة. وقد حظي بتقدير عالمي واسع، فنال العديد من الجوائز والأوسمة، إضافة إلى درجات الدكتوراه الفخرية تقديراً لإسهاماته في الطب والآداب والفكر الإنساني.
لا تُختصر شخصية فيليب سالم في إنجازاته الطبية فحسب، إذ عُرف أيضاً كمفكر نهضوي وكاتب وصاحب رؤية فلسفية ورسالة في السياسية. كتب مئات المقالات، ولا سيما في صحيفة "النهار"، تناول فيها قضايا لبنان والشرق الأوسط، ودافع عن فكرة الدولة المدنية، وسيادة القانون، وكرامة الإنسان، واعتبر أن نهضة الأوطان تبدأ ببناء الإنسان الحر القادر على التفكير والإبداع. صدرت له مؤلفات عدة، من أبرزها "رسالة لبنان ومعناه" و"فلسفة التمرّد والثورة"، وآخر مؤلفاته كتاب "لبنان الحياد الفاعل" عبّر فيه عن رؤيته لإصلاح الدولة وتجديد الحياة السياسية والثقافية. وفي بيروت اليوم مركزان يحملان اسم فيليب سالم، الأول "أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية، والثاني "مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية" الذي افتتح هذا الشهر في "جامعة القديس يوسف". أما على الصعيد الوطني، فقد بقي لبنان حاضراً في فكر الرجل وكتاباته، رغم إقامته الطويلة في الولايات المتحدة. فقد دعا باستمرار إلى قيام دولة حديثة، وإلى تجاوز الانقسامات الطائفية، وتعزيز الحوار والانفتاح، مؤكداً أن بمقدور لبنان إذا توافرت له الإرادة السياسية والإصلاح الحقيقي، أن يكون نموذجاً للتعددية الثقافية والحضارية، القائمة على مبدأ المواطنة الأصيلة، وقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.