لبنان على عتبة "ثورة تربوية"... مرسوم حكومي مرتقب للمناهج الجديدة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

"أخيراً، الحلم سيصبح حقيقة"ً. في لحظة تبدو مفصلية في مسار التربية في لبنان، تعود الملفات التربوية إلى الواجهة من بوابة مشروع طال انتظاره: تحديث المناهج التعليمية، بعد نحو ثلاثين عاماً، اذ ان اخر تحديث لها صدر في العام 1997. 

 

ووفق معلومات "النهار"، فان جلسة مجلس الوزراء هذا الاسبوع قد تُصدر مرسوم المناهج التربوية الجديدة، وهو ما يفتح الباب أمام "ثورة تربوية" ستبدأ ملامحها بالظهور تدريجاً في المدارس اعتباراً من السنة الدراسية المقبلة.

 

في بلدٍ يعاني أزمات متراكمة مدى عقود، وقد أصيب بنزفٍ مزمن في الكفايات والطاقات الشابة، بقي النظام التربوي أسيراً لمنهج صدر العام 1997، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين المدرسة اللبنانية ومتطلبات العصر الرقمي والتحولات العالمية في المعرفة وسوق العمل.

 

من المعلوم أن المجتمعات لا تنهض إلا بالاستثمار في الإنسان، وأن التعليم يشكّل المدخل الأساسي لأي عملية نهوض اقتصادي واجتماعي. فها هي سنغافورة التي استثمرت في رأس المال البشري، تمكنت من إحداث تحول جذري في مسارها الدولي.

 

في الحالة اللبنانية، تبدو الطريق وعرة جداً. فبين الطموح الإصلاحي والواقع اللبناني المثقل بالأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية، تبرز تساؤلات جدية عن مدى قابلية هذا التحول. فكيف يُطبَّق هذا المنهج في ظل نقص التمويل وغياب الاستقرار؟ وما الآليات التي ستُعتمد لضمان تنفيذه على الأرض؟ والأهم: ماذا يتضمن فعلياً؟

 

من لقاءات وزيرة التربية (النهار)

 

منذ العام 2022

تؤكد رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء البروفسورة هيام إسحق في حديث إلى "النهار" أن "العمل الفعلي على تطوير المنهج بدأ يتبلور منذ عام 2022، عبر إعداد إطار السياسات التربوية، إضافة إلى مصفوفة المدى والتتابع (Scope and Sequence) التي تُعدّ أداة أساسية لتنظيم المهارات والمعارف عبر المراحل التعليمية المختلفة. وتوضح أن المنهج الجديد بُني على "أفكار وطنية لبنانية بحتة"، وجرى تطويره بعد الاطلاع على تجارب دولية متعددة، قبل تثبيت الخيار التربوي اللبناني الوطني.


من التلقين إلى الكفايات

يرتكز المنهج الجديد على الانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على الكفايات، بحيث يصبح المتعلم محور العملية التعليمية. ويتضمن المشروع مجموعة واسعة من الميادين المعرفية، أبرزها: الرياضة والصحة، المهن، الفنون والثقافة، التعلم الاجتماعي والانفعالي، المواطنة، العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم، الرياضيات، واللغة والأدب والتواصل.

 

كذلك يعتمد على "الكفايات المستعرضة" التي تشمل الكفايات البدنية والصحية والبيئية، الوطنية والاجتماعية، الشخصية، وكفايات التفكير والتعلم. أما على مستوى السمات التربوية، فيسعى المنهج إلى تكوين متعلم باحث، ناقد، مبدع، متفكر، مثابر، مبادر، منفتح، إنساني، متعاون، متوازن ووطني. إذ تقوم الفلسفة الجديدة على مجموعة مبادئ أساسية أبرزها التنوع، المرونة، التعلم للحياة، وربط التعليم بحاجات المجتمع وسوق العمل، إضافة إلى تعزيز التعلم المرتكز على المتعلم، مع التشديد على قيم أساسية كالعدالة، والنزاهة، والاحترام، والسلام، والاقتدار، والاستقلالية الشخصية، لبناء مواطنين فاعلين.

 

تلامذة في صف مدرسي لبناني (وكالات)

 

وترى إسحق أن هذه الكفايات تضع المتعلم في قلب "المهمات الأدائية" (Performance Tasks)، بحيث يكتسب من خلالها المعارف والمواقف والسلوكيات والقيم بصورة متكاملة. وتؤكد في هذا السياق أن المنهج الجديد لم يُلغِ الحقول المعرفية أو المواد الدراسية كما كانت تُسمّى سابقاً، بل عمل على تعزيزها وإعادة تنظيمها ضمن إطار تربوي حديث، يجعل المتعلم أكثر ارتباطاً بمتطلبات العصر وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي معه.

 

إعادة هيكلة السلّم التعليمي

أما عن شكل المنهج الجديد ومضمونه، فتشرح أن "المنهج المطوّر يتميّز بمجموعة واسعة من الخصائص والمزايا. هو منهج دامج يأخذ في الاعتبار جميع المتعلمين، ويتوجّه إلى مختلف الفئات والحاجات، بما فيها حالات التعثر التربوي وتفاوت البيئات التعليمية".

 

وتشير إلى أن هذا التحديث يأتي في إطار مواكبة التحولات في سوق الاقتصاد العالمي وسوق العمل، "بهدف عدم تخريج تلاميذ خارج دائرة الإنتاجية، بل إعداد متعلمين يمتلكون الكفايات التي تؤهلهم للاندماج في سوق العمل"، مضيفةً أن "المنهج الجديد قائم على المقاربة بكفايات القرن الحادي والعشرين، التي تتيح للمتعلم القدرة على الاندماج في سوق العمل العالمية المعاصرة. ويعتمد على التقويم التكويني الذي يتيح للأستاذ مرافقة التلميذ باستمرار خلال العملية التعليمية، بما يساعده على بلوغ الأهداف التربوية المنشودة".

 

كذلك، يشمل إدخال مضامين حديثة مرتبطة بالتكنولوجيا والروبوتيك والحِرَف، إلى جانب التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، إذ إن "الهدف هو بناء متعلم مدى الحياة"، مشددةً على أن سرعة التطور العالمي لم تعد تسمح بالاكتفاء بمرحلة تعليمية ثابتة، بل تفرض إعداد متعلم قادر على تطوير نفسه ومواكبة التغيرات المتسارعة.

 

ووفق اسحق، أبرز التعديلات الجوهرية في البنية التعليمية هي تقليص مدة الحلقات التعليمية من ثلاث سنوات إلى سنتين، وتعزيز مرحلة الطفولة المبكرة على نحو أوسع. أما في المرحلة الثانوية، فيتجه النظام الجديد نحو تخصصات أدق، مع اعتماد نظام المواد المتخصصة بدلاً من المواد الشاملة، ما يمنح المتعلم مساحة أكبر لاختيار مساره الأكاديمي والمهني قبل الجامعة.

 

ويُتوقع أن يُضاف اختصاصان جديدان في التعليم الثانوي، إلى جانب الفروع التقليدية المعروفة بالعلوم العامة، وعلوم الحياة، والآداب والإنسانيات، والاقتصاد والاجتماع، هما التكنولوجيا والفنون. فيما سيولي المشروع أيضاً أهمية كبيرة للتوجيه المهني منذ المراحل المبكرة، عبر إدخال مواد تتيح للطلاب التعرف إلى المهن المختلفة، ما يساعدهم على اكتشاف ميولهم المهنية مبكراً واتخاذ قرارات أكاديمية أكثر دقة في المستقبل.

 

مبنى وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان

 

تحديات التطبيق 

رغم الطموح الكبير الذي يحمله المشروع، تبقى مسألة التنفيذ واحدة من أبرز التحديات، خصوصاً في الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يعيشها لبنان.

 

وتشير إسحق إلى أن "هذا الانتقال يحتاج إلى جسر يربط بين الوضع الحالي وما نعمل على الوصول إليه. لذلك، وضعت الوزارة استراتيجية تطبيق وخطة تدريب تشمل الأساتذة والإدارات التربوية ودور النشر، إضافة إلى القطاعين الرسمي والخاص، بهدف تمكينهم من استيعاب فلسفة المنهج الجديد واكتساب الكفايات اللازمة لتطبيقه في الصفوف".

 

وتضيف: "تم البدء بإعداد البرامج التدريبية والمقررات، إضافة إلى تحضير لوائح الأساتذة، إلا أن أي خطوات تنفيذية فعلية تبقى مرتبطة بصدور مرسوم المنهج، إذ لا يمكن الشروع في التنفيذ قبل الإطار القانوني الرسمي".

 

وفي ما يتعلق بجهوزية التطبيق، تشرح أنه "كان يُفترض أن يبدأ التطبيق الشامل في صفوف الروضة خلال العام المقبل، إلا أن الظروف الراهنة حالت دون ذلك. وبناءً عليه، تم، بالتنسيق مع وزيرة التربية ريما كرامي، اقتراح اعتماد مرحلة تجريبية اختيارية في العام المقبل، على أن يبدأ التعميم التدريجي للمنهج في العام الذي يليه ليشمل مختلف المدارس".

 

وفي مواجهة المخاوف المرتبطة بالتغيير، تعلّق إسحق: "نريد منهجاً لبنانياً متطوراً مع شهادة ثانوية حقيقية، تكون قادرة على منافسة جميع أنظمة البكالوريا الدولية، إذ لا ينقصنا شيء. كما أن عدداً كبيراً من أساتذتنا يعملون ضمن برامج البكالوريا الدولية والبكالوريا الفرنسية، أو في شهادات دولية أخرى نسعى دائماً إلى الحصول عليها".

 

وتضيف: "منهجنا اللبناني كان ولا يزال قادراً على تخريج مميزين، وما نطمح إليه هو أن يستمر في تخريج أفضل أنواع المتعلمين وأجود أشكال التعلم. لذلك لا داعي للخوف، ونحن قادرون معاً على الوصول إلى ما يفرح قلب هذا البلد".

 

وفي ظل التحديات الجدية التي يواجهها لبنان وتنعكس على القطاع التربوي، تبقى العبرة بالتنفيذ وتبقى الرهانات كبيرة على قدرة هذا المشروع على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، في بلدٍ يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استثمار طاقاته الشابة بدل خسارتها. فهل ننجح هذه المرة؟

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية