لبنان... ضحية المعنى المفقود

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} مفيد خطّار
 

 
حين تتحول العقيدة من نورٍ يهدي الإنسان إلى قيدٍ يغلق عليه عقله وقلبه، تصبح قادرة على صنع الضحايا بقدر ما تدّعي صنع الأتباع.
كثيرون لم يختاروا ما يؤمنون به، بل وُلدوا داخل عوالم جاهزة من المسلّمات. فتعلّموا الدفاع عنها قبل فهمها، والقتال من أجلها قبل السؤال عنها. وأخطر ما في العقائد ليس اختلافها، بل ادعاء اكتمالها؛ فعندما تحتكر الحقيقة، يصير السؤال خيانة، والنقد جريمة، والمخالف عدواً.
عندها لا يعود الإنسان يرى وجوهاً، بل شعارات، ولا يسمع ألماً، بل صدى نفسه. فالعقيدة التي تنقص من إنسانية الإنسان، وتزيده قسوة، وتحرمُه شجاعة الاعتراف بالخطأ، لا تحرّره بل تحكم أسره، مهما تزيّنت بالأسماء والشعارات.
فالحقيقة لا تخاف السؤال، والإيمان الصادق لا يرتعب من الحوار، والفكر الحي لا يبحث عن ضحايا ليثبت أنه على حق. ولعل أكثر الضحايا إيلاماً هم الذين فقدوا إنسانيتهم وهم يظنون أنهم يدافعون عنها.
وليس الأفراد وحدهم من يدفعون ثمن العقائد المغلقة؛ فالأوطان أيضاً قد تصبح ضحايا أفكار تعجز عن مغادرة ذاتها. وحين تتقدّم الولاءات الجزئية على الفكرة الجامعة، لا يبقى الضحية فرداً فقط، بل يصير الوطن نفسه ساحة استنزاف مستمر، يتآكل فيها المعنى قبل أن تتآكل المؤسسات.
هكذا بدا المشهد في لبنان. فلم تسقط الدولة بقدر ما تآكل المعنى الذي كان يُفترض أن تنهض عليه. ولم يكن الانهيار نتيجة عدو خارجي فقط، بل مساراً داخلياً بطيئاً؛ حين تقدّمت المصلحة على الشراكة، وغلبت الطائفة على الفكرة الجامعة، فتبدّل جوهر الدولة من إطار ناظم إلى ساحة توازنات متداخلة.
منذ ذلك التحوّل، لم تعد الدولة في لبنان تعاني أزمة أداء فحسب، بل أزمة معنى. فهي قائمة في الشكل، لكن وحدتها السياسية تضعف كلما تقدّمت الاعتبارات الجزئية على القرار العام.
وهنا لم يعد السؤال: من يحكم الدولة؟
بل: كيف يمكن لدولة أن تبقى دولة حين يتراجع المعنى المشترك الذي يوحّدها؟
فلبنان لم يكن ضحية انهيار المؤسسات فقط، بل ضحية تآكل الفكرة التي كان ينبغي أن تجمع بين مكوّناته.
ورغم هذا التشوّه البنيوي، لم يختفِ المعنى كلياً. ففي الداخل اللبناني ما زالت مساحات فردية ومجتمعية تحاول أن تُبقي فكرة الدولة حيّة كقيمة قبل أن تكون جهازاً. مبادرات وشخصيات وممارسات يومية لم تتعامل مع الواقع كقدر نهائي، بل كمساحة مسؤولية ممكنة تُبقي فكرة الإنسان حيّة داخل نظام مأزوم.
من هنا، لا يبدو لبنان مجرد كيان إداري يعيش أزماته المتكررة، بل مساحة تتقاطع فيها الفكرة مع الانكسار، والرسالة مع التعثّر. ولذلك لا يكفي وصف الأزمة وحده ما لم يُطرح السؤال الأعمق: ما الذي يجعل الدولة دولة فعلاً؟
أهو الشكل المؤسسي، أم القدرة على إنتاج قرار عام يتقدّم على المصالح الجزئية؟
يبقى لبنان، في جوهره، عالقاً بين مسارين: إما استعادة فكرة الدولة كعقد جامع يعيد ترتيب العلاقة بين المكوّنات على أساس المعنى المشترك، وإما الاستمرار في إدارة توازنات دقيقة تُبقي الشكل قائماً فيما يتراجع المضمون تدريجياً.
فلبنان ليس ضحية انهيار الدولة فحسب، بل ضحية المعنى المشترك الذي سبق انهيارها. فحين يضيع المعنى، تبقى المؤسسات واقفة زمناً، لكنها تكفّ تدريجياً عن أن تكون دولة.
 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية