لبنان: سلاحنا الذي لا تدركه الرادارات
محمود الخراط
في الوقت الذي يغرق فيه العالم في سباقات محمومة للتسلح، وتُصرف فيه المليارات على ترسانات الحديد والنار، يقف لبنان عند مفترق طرق تاريخي. فإذا نظرنا إلى موازين القوى العسكرية التقليدية، فسنجد لبنان، بحكم حجمه الجغرافي وظروفه الاقتصادية، في موقعٍ لا يحسد عليه مقارنة بمحيطه. لكن، إذا قررنا تغيير زاوية الرؤية، فسنكتشف أننا نمتلك سلاحاً "عابراً للقارات" لا تخترقه الرادارات ولا توقفه الحدود: إنه "الكنز البشري اللبناني".
ان المعركة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين لم تعد تُخاض بالدبابات والمدفعية فحسب، بل بالذكاء الاصطناعي والإبداع الرقمي. نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لنضع خلافات الماضي خلف ظهورنا، ونبني "لبنان الجديد"، لبنان الذي لا يطلب المعونة، بل يصدّر المعرفة، لبنان الذي لا يخشى جيرانه عسكرياً، بل ينافسهم ويحاورهم من موقع الندية التكنولوجية.
لماذا التكنولوجيا؟
ولّى الزمن الذي كان فيه السلاح هو المقياس الوحيد لقوة الدول. اليوم، يمكن لمبرمج لبناني مبدع، من غرفة صغيرة، أن يبتكر برمجية أو نظاماً أمنياً سيبرانياً تطلبه كبريات الشركات العالمية. إن السيادة الحقيقية اليوم هي "السيادة المعرفية". عندما تمتلك الدولة عقولاً تنتج التكنولوجيا ولا تستهلكها فقط، تصبح دولةً صعبة المراس في المجتمع الدولي، وتتحول مصالح العالم إلى درع حماية لها.
قد يظن البعض أن هذا مجرد حلم رومانسي، لكن التاريخ القريب يثبت العكس. هناك دول كانت في ظروف أكثر قساوة من لبنان، واستطاعت أن تصبح عواصم للابتكار أبرزها:
سنغافورة: عام 1965، لم تكن هذه الجزيرة تملك حتى مياه الشرب. لكن قائدها لي كوان يو آمن بأن الإنسان هو المورد الوحيد. استثمرت سنغافورة في التعليم التقني ومحاربة الفساد، واليوم هي رابع أكبر مصدر للتكنولوجيا العالية في العالم.
إستونيا: "النمر الرقمي": بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي، كانت إستونيا دولة فقيرة ومتهالكة. وبدلاً من اللحاق بالماضي، قررت القفز الى المستقبل عبر "الرقمنة الشاملة". اليوم، إستونيا هي موطن شركات مثل "سكايب". وهي أول حكومة رقمية بالكامل في العالم.
رواندا: بعد حربٍ أهلية طاحنة، استطاع هذا البلد الأفريقي أن يضع الخلافات العرقية جانباً ويركز على "رؤيةٍ تكنولوجية" حولتها اليوم إلى "سيليكون فالي" أفريقيا.
هذه النماذج تشترك في شيء واحد: قيادة تمتلك رؤية، وشعب قرر أن النجاح هو أفضل انتقام من الماضي.
خارطة الطريق
إن النهوض اللبناني يتطلب "خارطة طريق" واضحة المعالم، ترتكز على أربعة أعمدة:
-أولاً القيادة الرؤيوية الجامعة: لبنان يحتاج إلى قائد لا يقتات على الخلافات الطائفية، بل يتنفس "المستقبل". قائد يضع الكفاءة فوق المحسوبية، ويقنع اللبنانيين بأن عدونا الحقيقي هو "الجهل والجمود"، وليس الأخ في الوطن.
-ثانياً اقتصاد المعرفة الرقمية: يجب تحويل لبنان إلى "منطقة حرة للابتكار". إن قطاع التكنولوجيا هو القطاع الوحيد الذي لا يحتاج ثروات طبيعية أو مساحات شاسعة، بل يحتاج فقط الى إنترنت سريع (وهو حق أساسي) وبيئة تشريعية تحمي الشركات الناشئة وتجذب الاستثمارات.
-ثالثاً التعليم من أجل المستقبل: لم يعد كافياً أن نخرّج أطباء ومحامين فقط. نحتاج ثورةً في المناهج تركز على الذكاء الاصطناعي، البرمجة، وعلوم البيانات منذ المراحل المدرسية الأولى.
-رابعاً جسر الاغتراب: يمتلك لبنان جيشاً من العقول المهاجرة في الخارج. هؤلاء ليسوا مجرد "مصدر للتحويلات المالية"، بل هم سفراء تكنولوجيون وخبراء عالميون ينتظرون فقط "مشروعاً وطنياً صادقاً" ليعودوا بخبراتهم واستثماراتهم.
التحدي والاستجابة
أعلم أن كثيرين سيقرأون هذه السطور بسخرية، وسيقولون: "أين نحن من هذا والكهرباء مقطوعة؟". وجوابي هو أن الكهرباء والمياه والطرق هي نتائج للنجاح، وليست دائماً شروطاً مسبقة له. عندما نبدأ ببناء "اقتصاد العقل"، ستتوافر الأموال لإصلاح كل شيء آخر.
إن النجاح في البداية سيكون صعباً، وسيقابل بالرفض من المستفيدين من الوضع الحالي. لكن، بمجرد أن يرى المواطن اللبناني أن إبنه المبدع وجد وظيفة بآلاف الدولارات وهو في منزله، وأن الدولة أصبحت تدار بلمسة زر على الهاتف بعيداً من ذل الطوابير، سيلتحق الجميع بقطار النجاح.
في النهاية إن ذكاءنا الفطري وقدرتنا على التأقلم هما "النفط" الذي لا ينضب. يجب أن نضع خلافاتنا في كتب التاريخ، ونكتب معاً كتاب المستقبل. إن مواجهة العالم من حولنا تكنولوجياً وإبداعياً هي الضمان الوحيد لبقائنا دولةً قوية ومحترمة.
لقد آن الأوان ليكون "صنع في لبنان" مرادفاً لأحدث البرمجيات وأذكى الابتكارات، وليس فقط لذكرى ماضٍ جميل. نحن نملك العقل، ونملك الإرادة، وما ينقصنا هو فقط أن نقرر أن نكون عظماء... معاً.