لبنان بين واشنطن وطهران: هندسة تفاوضية مزدوجة وإعادة تشكيل قواعد الصراع في الشرق الأوسط

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بسام صراف

 

 

 

في الشرق الأوسط اليوم، لم تعد الحروب تُدار بهدف الانتصار، بل بهدف إدارة استحالة الحسم نفسه؛ حيث تتحول الجبهات من ساحات مواجهة إلى أدوات تفاوض غير مباشر بين قوى لا تتواجه مباشرة، لكنها تتصارع عبر خرائط الآخرين، وفي مقدمتهم لبنان.

في هذا السياق، لا يظهر لبنان كساحة صراع مستقلة، بل كنقطة تقاطع وظيفية داخل شبكة إقليمية أوسع تشمل واشنطن وطهران، وتنعكس عليها الحسابات الإسرائيلية كعامل ضغط مباشر في هندسة التوازنات غير المباشرة.

أولاً: التحول الأميركي من هندسة الأنظمة إلى إدارة التوازنات
منذ حرب العراق عام 2003، اصطدمت الولايات المتحدة بحدود نموذج "إعادة تشكيل الأنظمة بالقوة"، وهو نموذج تآكل تدريجياً تحت كلفة التدخلات العسكرية، وصولاً إلى الانسحاب من أفغانستان عام 2021، الذي مثّل لحظة مراجعة استراتيجية لدور القوة الأميركية.

هذا التحول لا يعني انسحاباً من الشرق الأوسط، بل انتقالاً من منطق "هندسة الأنظمة" إلى منطق "إدارة التوازنات". غير أن هذا التحول يبقى غير مكتمل، بفعل فجوة متصاعدة بين مقاربة أميركية تميل إلى احتواء قابل للضبط، ومقاربة إسرائيلية تعتبر أن الاستقرار لا يُدار إلا عبر إعادة إنتاج الردع بالقوة.

هذه الفجوة لم تعد نظرية، بل تُترجم عملياً في تفاوت تقدير سقف التصعيد في ساحات مثل لبنان وغزة والبحر الأحمر.

ثانياً: المسار الأميركي–الإيراني (إطار تفاوضي لإدارة خفض التصعيد الإقليمي)
يتبلور المسار الأميركي–الإيراني، وفق ما تم تداوله في تقارير وتسريبات إعلامية حول مذكرة تفاهم غير نهائية أُشير إلى أنها طُرحت في تموز 2026، بوصفه إطاراً انتقالياً لإدارة خفض التصعيد أكثر من كونه اتفاقاً نهائياً ملزماً، حيث يهدف إلى تثبيت مرحلة تهدئة إقليمية مؤقتة تمهّد لتسوية أشمل لاحقاً.

ويقوم هذا الإطار على مجموعة من المرتكزات السياسية والأمنية المتداخلة:

1) وقف شامل لتوسّع العمليات العسكرية
• تثبيت وقف إطلاق نار أو خفض تصعيد على نطاق إقليمي واسع
• يشمل ساحات التوتر غير المباشر، وفي مقدمتها لبنان

2) إعادة ضبط قواعد استخدام القوة
• خفض العمليات الهجومية المباشرة أو عبر الوكلاء
• إدارة الاشتباك ضمن قواعد ردع غير قابلة للتوسع التلقائي

3) مهلة تفاوضية انتقالية (نحو 60 يوماً)
• فتح نافذة تفاوض قابلة للتمديد
• تحويل خفض التصعيد إلى مسار مؤسسي

4) إعادة تنظيم أمن الممرات البحرية
• ضمان حرية الملاحة خصوصاً في مضيق هرمز
• إدخال ترتيبات إقليمية غير مباشرة للضمان

5) تخفيف تدريجي للعقوبات
• تخفيف مشروط للعقوبات الاقتصادية
• ربطه بالتقدم السياسي والأمني

6) ملف الطاقة والأصول
• فتح محدود لتصدير النفط الإيراني
• الإفراج التدريجي عن جزء من الأموال المجمدة

7) الملف النووي
• منع الوصول إلى السلاح النووي
• إبقاء التخصيب تحت رقابة دولية (IAEA)
• تأجيل القضايا الحساسة لاتفاق لاحق

8) تجميد متبادل للتصعيد
• تجميد نووي مقابل تجميد العقوبات والإجراءات العسكرية
• تشكيل "هدنة استراتيجية مؤقتة"

9) بعد اقتصادي–إقليمي طويل المدى
• تصورات أولية لإعادة الإعمار والدعم الإقليمي
• غير ملزمة وتبقى مشروطة


خلاصة تحليلية لهذا المسار

لا يُقرأ هذا الإطار كاتفاق سلام نهائي، بل كنموذج إدارة مؤقتة للتصعيد الإقليمي يهدف إلى:
• تقليل احتمالات الانفجار العسكري
• إعادة ضبط قواعد الاشتباك
• فتح مسار تفاوض متعدد الطبقات

وفي هذا السياق، تبقى الساحات الثانوية مثل لبنان جزءاً عضوياً من اختبار هذا التوازن، وليس خارجاً عنه.

ثالثاً: المسار اللبناني–الإسرائيلي (إدارة صراع بلا تسوية)
يتحرك هذا المسار ضمن منطق تدريجي يقوم على خفض التصعيد دون إنتاج تسوية نهائية.

المرحلة الأولى: تثبيت وقف إطلاق نار عملي مع توازن ردع هش.
المرحلة الثانية: إعادة ضبط ميداني في الجنوب اللبناني.
المرحلة الثالثة: بلورة إطار دفاعي لبناني وتنظيم ملفات الترسيم البري.

لكن هذا المسار يبقى محكوماً بمعادلتين:
• مستوى الاستقرار بين واشنطن وطهران
• وقدرة إسرائيل على ضبط التصعيد دون توسع إقليمي

رابعاً: التباين الأميركي–الإسرائيلي في الأهداف الاستراتيجية
لا يقوم التفاعل الأميركي–الإسرائيلي على انسجام، بل على تباين في إدارة الإقليم ضمن علاقة غير متكافئة.
فالولايات المتحدة تتحرك بمنطق إدارة النظام الإقليمي ومنع الانفجار الشامل، وتمتلك القدرة على ضبط الإطار العام للتوازنات.
في المقابل، تعتمد إسرائيل مقاربة تقوم على استخدام القوة لإعادة تشكيل الواقع الأمني، ما يدفعها إلى توسيع هامش التصعيد أحياناً.
لكن هذا التباين لا يصل إلى فكّ ارتباط، بل إلى إدارة خلاف داخل تحالف غير متوازن.
البنية المشتركة: نظام شبكي مترابط
رغم استقلال المسارات رسمياً، إلا أنها تشكل عملياً نظاماً شبكياً مترابطاً.

في هذا النظام، يتحول لبنان إلى:
• نقطة اختبار لقواعد الاشتباك
• ساحة تضخيم أو امتصاص للتوترات
• مؤشر مبكر على اتجاه النظام الإقليمي

نقطة الانكسار البنيوي
رغم تماسك النموذج، إلا أنه يحمل هشاشة داخلية:
• صعوبة ضبط الفاعلين المحليين
• احتمال تحول حادث ميداني إلى انفجار واسع
• فجوة القرار بين واشنطن وتل أبيب

السيناريوات المستقبلية
1. تصعيد مضبوط
2. جمود متوتر
3. انفجار محدود

الخلاصة
لا يتجه الشرق الأوسط نحو تسوية نهائية، بل نحو نظام إدارة صراع متعدد الطبقات، تُدار فيه التهدئة والتصعيد داخل بنية واحدة غير مستقرة.
في هذا السياق، يبقى لبنان مؤشراً بنيوياً على اتجاه النظام الإقليمي: إما نحو إعادة ضبط تدريجية، أو نحو إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتوقع.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية