لبنان بين "الطّائف" وميثاقيّة التّعطيل
البروفسورة وديعة الأميوني*
منذ إعلان دولة لبنان الكبير، قام النظام اللبناني على صيغة سياسية استثنائية تجمع بين الديموقراطية التوافقية والمحاصصة الطائفية، وهي صيغة كرّسها دستور عام 1926 ثم أعاد اتفاق الطائف عام 1989 إنتاجها بصورة مختلفة.
وإذا كان الدستور الأول قد منح رئيس الجمهورية موقعاً محورياً في السلطة التنفيذية ضمن نظام ذي طابع رئاسي واضح، فإن "الطائف" أحدث تحولاً جذرياً في فلسفة الحكم، فنقل السلطة التنفيذية الفعلية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وحوّل رئيس الجمهورية إلى رمز لوحدة الدولة أكثر منه مركزاً حاسماً للقرار السياسي.
لكن "الطائف" الذي نجح في إنهاء الحرب الأهلية، لم ينجح في بناء دولة مستقرة وقادرة على تجاوز الانقسامات البنيوية. فقد كرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وأعاد تنظيم التوازنات الطائفية بدل إلغائها، ما أبقى النظام أسير منطق المحاصصة والتجاذبات المذهبية.
في قلب الأزمة اللبنانية اليوم، تظهر بوضوح الثغر الدستورية التي تركها اتفاق الطائف من دون معالجة. فالاتفاق لم يحدّد مهلاً زمنية ملزمة لتشكيل الحكومات بعد تكليف رؤسائها، ما فتح الباب أمام فراغات طويلة عطّلت عمل الدولة وأدخلت البلاد في شلل سياسي متكرر. كما لم يفرض مهلة على رئيس الجمهورية للدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة، الأمر الذي سمح بتحويل الاستحقاقات الدستورية إلى أدوات ضغط ومساومة سياسية.
الأخطر من ذلك أن تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لم يترافق مع إنشاء آليات دستورية واضحة لحسم النزاعات بين المؤسسات. وعندما تتصادم القوى السياسية، لا توجد مرجعية داخلية قادرة على فرض الحل، فتتحول البلاد تلقائياً نحو انتظار التسويات الخارجية والوساطات الإقليمية والدولية لإعادة تشغيل مؤسساتها. هكذا، تراجع القرار الوطني أمام نفوذ التوازنات الخارجية، فيما توسّع استخدام مفهوم "الميثاقية" كأداة تعطيل سياسي.
مع مرور الوقت، تحولت "الميثاقية الوطنية" من ضمان للشراكة إلى وسيلة لفرض "الفيتو" داخل السلطة. فالمادة 95 من الدستور التي تنص على التمثيل العادل للطوائف في الحكومة، جرى تفسيرها سياسياً على نحو يسمح لأي مكوّن طائفي بتعطيل عمل المؤسسات متى اعتبر أن مصالحه مهددة. وقد شهد لبنان خلال العقدين الأخيرين تجارب متكررة لاستقالة وزراء أو مقاطعة جلسات حكومية بهدف إسقاط "الشرعية الميثاقية" عن السلطة التنفيذية، ما أدى إلى شلل الدولة وإضعاف مفهوم المواطنة لمصلحة الاصطفاف الطائفي والحزبي.
في موازاة ذلك، بقي لبنان يعيش حالة انتقالية دائمة منذ اتفاق الطائف. فالإصلاحات الجوهرية التي نص عليها الاتفاق لم تُنفَّذ حتى اليوم، وفي مقدمها إلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء الهيئة الوطنية لتحقيق هذا الهدف، واستحداث مجلس شيوخ يمثل الطوائف مقابل انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي. كذلك بقي مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة مؤجلاً، رغم أهميته في تخفيف الاحتقان وتعزيز التنمية المحلية.
أما الانتخابات الرئاسية، فتحولت بدورها إلى ساحة مفتوحة للتعطيل بسبب غموض تفسير المادة 49 المتعلقة بنصاب جلسات الانتخاب. ففيما يعتبر فريق أن النصف زائداً واحداً يكفي في الدورات اللاحقة، يتمسك آخرون بضرورة حضور ثلثي أعضاء المجلس تحت شعار "الميثاقية". نتيجة هذا التناقض، شهد لبنان فراغات رئاسية متكررة بفعل كسر النصاب المتعمد، وبات انتخاب الرئيس مرتبطاً بالتفاهمات الخارجية أكثر منها بالإرادة الوطنية.
إن أزمة لبنان اليوم لا تكمن فقط في النصوص الدستورية، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها وتطويرها بما ينسجم مع مفهوم الدولة الحديثة. فالدستور تحوّل، بفعل غموض بعض مواده وسوء استخدام مفهوم الميثاقية، إلى إطار شكلي تُدار داخله الصراعات الطائفية، فيما تبقى القرارات الحاسمة رهينة التوازنات الإقليمية والدولية.
لذلك، فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي للبنان لا يمكن أن يقتصر على التسويات الظرفية، بل يحتاج إلى مراجعة دستورية عميقة تعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة والمؤسسات. فإما تطوير النظام الحالي عبر سد الثغر الدستورية وفرض المهل الملزمة وآليات حسم النزاعات، وإما الانتقال نحو صيغة وطنية أكثر حداثة تقوم على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون، بعيداً من منطق المحاصصة والتعطيل المتبادل.
فالخطر الحقيقي لم يعد في الانقسام السياسي بحد ذاته، بل في تحوّل "الميثاقية" من ضمان للعيش المشترك إلى أداة دائمة لشلّ الدولة وتعطيل مستقبل اللبنانيين.
*أستاذة جامعية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية